عند النّظرة الأولى

عند النّظرة الأولى

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الإنجليزي ريتشارد ديكي دويل

“لدينا طلب استشارة جديد لك يا دكتور”، سارعت الطّبيبة المقيمة باستقباله بتلك المعلومة الاستهلاليّة عند الصّباح، “إنه يعاني من ارتفاع غير مبرر بنسبة الكالسيوم، دون وجود تفسير من ناحيتي الغدد الصّمّاء والكلى” 

  • وغير ارتفاع الكالسيوم؟ من ماذا يعاني الطفل؟

انطلقت الطبيبة بسرد الأرقام المتتالية التي لا تنتهي في جدول من الفحوصات لكافة المواد في الدم فى البوتاسيوم إلى الكالسيوم إلى الزّلال إلى ما سواها من الأسماء التي لا تنتمي إلى قواميس اللغة العربيّة، كلّ تلك مكتوبة برموزٍ على الورقة الكبيرة التي في يدها.

  • حبذا لو تبدئين يا صديقتي بإخباري عن المريض بحدّ ذاته قبل الغوص في بحر الفحوصات.

صمتت مرتبكة قبل أن يحدد سؤاله أكثر.

ثم صححت إجابتها “نعم، هو ولد في الشّهر التّاسع من والدين صحيحي البنية الجسدية ولم يعانِ من أي مرض خلال السّنة الأولى من العمر، وتمّ اكتشاف ارتفاع الكالسيوم بمحض الصّدفة عند إجراء فحوصات روتينيّة بعد إصابته بحالة إسهال ناتج عن جرثومة الرّوتافيروس وتمّ تحويله إلى مركزنا الجامعيّ لتحديد السّبب”.

  • –       “و…؟” سألها بلهجةٍ مستحثّة تدعوها للمضي قُدُما في سرد الوقائع الطّبيّة الأساسيّة التي لم تطلعه عليها بعد
  • –       “و… هنا هذه الفحوصات يا دكتور
  • ولكن ماذا رأيتِ لدى الصّبيّ عند نظرتك الأولى إليه؟

بقي سؤاله دون جواب.

  • –       “لماذا لا نذهب إلى غرفة المريض لنرى ماذا يختفي هناك!” قالها وهو يتوجّه مع الملفّ نحو غرفة المريض.

لم يكن غريبًا عليه أن يصادف أطباء مقيمين حديثي العهد يبحثون دومًا عن إجاباتٍ على أسئلتهم في نتائج الفحوصات المخبرية، لا شك أنّ التّعاطي مع الأرقام أسهل بكثيرٍ من التّعاطي مع المريض، وتصحيح الرّقم أسهل من إدراك المرض.

فتح الباب وتوقّف عنده هنيهة قبل الدخول، ونظر نظرته الأولى إلى الصّبيّ وهمس في أذن الطّبيبة المقيمة.

  • أنظري إلى وجهه وإلى أذنيه، وحدّقي به جيّدًا. هناك يكمن التشخيص.
  • كيف يعني؟

نظر إليها بحدّة منهيًا قبل أن يبدأ حديثا لم يكن زمنه السّليم أمام عائلة المريض.

كان الطفل يلهو متراقصاً، يدور حول والدته ملاعبًا إيَّاها بفرحٍ وحيويَّة ونشاط، كانت أذناه مدبّبتي الأطراف بعض الشّيء، وكان منطلق أنفه غائراً بشكلٍ غير ملحوظٍ للعين غير المدرّبة، وكان هناك امتلاءٌ فوق حاجبيه، مع هبوط في جفنيه على شكل العيون التي تدفع النساء الأموال الباهظة للحصول عليها عبر العمليات التجميليّة، أما المسافة الفاصلة بين قاعدة أنفه وشفته العليا فكانت تبدو أطول من المألوف، مع شفة سفلى بارزة تبدو وكأنها لإحدى المغنيات المعروفات التي باتت تتشابه كل معالم وجوههنّ. أما أنفه فمستدق يرسم ابتسامةً متواصلةً على وجهه.

كان له حوالي سنتين من العمر، والداه من ضيعتين متباعدتين بين الشّمال والجنوب. هو تأخر في المشي حتى شهره الثّامن عشر وحتى الآن لم يكن يجيد قول سوى بضعة كلمات.

  • هو لا يركب جملة من كلمتين بعد؟ سألها بالتّحديد
  • لا يا دكتور، ولكنه يعشق الموسيقى، مجرد أن يسمع أغنية لمرّة واحدة حتى يحفظ لحنها ويجيده ويكرّره صحيحًا ويتمتم نغمته ويتراقص عليها 
  • وهل هناك من حالة شبيهةٍ في العائلة؟
  • أبدًا يا دكتور ما حدا عنّا بو شي، أجابت الوالدة بكلّ تأكيدٍ وثقة

أكمل ملاعبة الصبي الذي أنس له وأخذ بإجراء فحصه السّريريّ مازجًا الفحص باللعب وصولًا إلى الاستماع إلى دقّات القلب.

  • وما هذه؟ سأل الطبيبة وهو يعيد تثبيت السّماعة على قلب المريض.

أجابته بنظرة مستفهمة، فأعطاها أذني السّماعة مبقيًا طرفها المستدير على جسد الطّفل.

  • فيه شي يادكتور؟ سألت الوالدة وقد أقلقتها نظرات الطّبيبين المتبادلة
  • لا تخشي يا سيّدتي، هناك فقط صوت غريب عند فحص القلب وسنطلب من طبيب قلب الأطفال أن يقوم بإجراء صورةٍ للاطمئنان
  • وبالنسبة للكالسيوم؟ أكملت استفسارها المنطقيّ، فهو عرّف عن سبب طلب استشارته بأنّه ارتفاع الكالسيوم.
  • هذا الارتفاع يا سيّدتي هو جزء من حالة وراثيّةٍ حميدة يعاني منها ابنك وهي متلازمة وليامز وسوف نقوم بتأكيدها عبر فحص الجينات ولكن دعيني أتواصل مع طبيب القلب أوّلًا، فهذه الحالة قد تتصاحب مع تضيُّق في الشّرايين، قالها وهو يحثّ خطاه خارج الغرفة.
  • –       “كان كل تركيزنا على الكلى والغدد واعتبرنا أن طفلًا في عمره قد تم فحص قلبه مرارًا قبل اليوم”، سارعت الطبيبة المقيمة بالقول 
  • تذكري يا دكتورة أن التّشخيص يبدأ بالمراقبة والفحص الّسريريّ أمّا الفحوصات المخبرية فهي لتأكيد التّشخيص. بمجرد النّظر إلى الطّفل يجب أن تتكوّن لديك نسبة لا تقلّ عن السّبعين بالمئة من التّشخيص للحالة. أنظري جيّدًا إلى وجهه، كلُّ أطفال الوليامز يتشابهون، بعد اليوم لم يعد يحقّ لك بالعبور قرب هذا التّشخيص دون معرفته من مجرد النّظر
  • –       “شو باك يا دكتور؟ ما تزيدها عليها مش هيّنة تلقطها من أوّل مرّة، ما الصّبي متلو متل عمتو مخْلَق مَنْطَق!” قالت الممرّضة العتيقة التي كانت تستمع إلى حديثهما ضاحكةً قبل أن تكمل ملء ملفِّها.

رفع عينيه إلى الأعلى مع تنهيدةٍ طويلةٍ وعاد إلى غرفة المريض ليسأل الوالدة إن كانت تحمل صور أفراد العائلة على هاتفها ليكملَ تشخيصه، بينما كانت الطّبيبة المقيمة تطلب رقم طبيب قلب الأطفال عبر هاتف المستشفى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s