الفن حلم لا عمر له.. حنّا كعبر لوحات بطعم النضج وحب الحياة

الفن حلم لا عمر له.. حنّا كعبر لوحات بطعم النضج وحب الحياة

خالد جهاد

اللوحات من أعمال الفنان الفلسطيني حنّا كعبر

طفولة القلب لا يضاهيها شيء، وبراءة المشاعر تجعلنا نحلق في عالمٍ من الألوان، وهذه التجربة هي الطفولة بعينها، فتذكرنا بعالمٍ ساحرٍ وحالمٍ مليءٍ بالجمال والخيال وحب الأرض والطبيعة، وتذكرنا بلوحاتٍ أحببناها وشاهدناها لفنانين رائعين من دولٍ أوروبية، لكنها في هذا المقال تجربة فلسطينية بطعم النضج والخبرة والإصرار والشغف وحب الحياة مع الفنان الفلسطيني حنا كعبر.

تجربته بدأت في طفولته ولعاً خطفته الأيام فأبى إلا أن يعود له منذ عامين في سن الستين، ويرسم من جديد دون أن يخاف من العودة كأغلب الناس، فأمسك ريشته واستسلم لها، كما قام بمتابعة دروسٍ فنية ساهمت في رجوعه ليقدم أعمالاً حالمة وجميلة تريح النفس، وتسر القلب وتسحر العين.

من يتأمل في لوحات الفنان حنا كعبر يلاحظ عشقه للطبيعة وافتتانه بها، فنرى المساحات الخضراء والغابات الكثيفة والجبال والسهول والأنهار على اختلاف الفصول حاضرةً بشكلٍ انسيابي، فلا تشعر بأي تكلف فيها وانت تتنقل بينها، بل تشعر بأنك في رحلةٍ بين أحضان الطبيعة لتحظى بفرصةٍ للتأمل بشكلٍ مجرد، والاستمتاع بها وبأصواتها الحقيقية بعيداً عن صخب المدينة ومظاهر التطور والعالم الرقمي، فيكون حضور الإنسان فيها هامشياً ليفسح المجال لما هو أبعد وأعمق في نفسه دون أن يتسنى له اكتشافه وسط ضجيج وتسارع الأحداث والتطورات التي نعيشها باستمرار، فيكسبها لمسةً شاعرية تنبع من تعلقه بجذوره الفلسطينية وحبه لأرض فلسطين مما انعكس على أعماله وفي وجدانه حباً للطبيعة والأرض ككل، ومحاولة تصويرها في كل الأوقات، واعطاء كل عنصر من عناصرها حقه في الظهور بالشكل الذي يستحقه ، ومساحته التي ينبغي أن يحصل عليها.

كما أن فلسطين حاضرةٌ في أعمال الفنان حنا كعبر في العديد من الأعمال سواءً برسم مدينة القدس المحتلة أو رموزها الإسلامية والمسيحية، أو التذكير بها في إحدى لوحاته التي يبرز فيها زوجان يستندان إلى بعضهما في طريق العودة إلى القدس، مشيراً إلى حتمية الرجوع إليها مهما طالت المسافات وطال الاغتراب، وإلى عدم نسيانها رغم مرور السنوات بعيداً عنها ، فهي الأرض التي ولدوا عليها وسيرحلون بين أحضانها، كما يشير في إحدى لوحاته إلى معاناة والدة الشهيد، وتتجدد الإشارة إليها وإلى فلسطين من خلال محاكاة لوحة الموناليزا الشهيرة، لكن من منظورٍ فلسطيني يكسبها بعداً إنسانياً عابراً للحدود ، وقادراً على نقل الصورة المعقدة كما نرى في إحدى لوحاته التي يظهر فيها طفلٌ يقاوم الطغاة ودبابة الاحتلال ، فيما دميته بالقرب منه وسط أجواءٍ عاصفة وغائمة تسلط الضوء على حال الطفولة في فلسطين تحت الاحتلال الاسرائيلي.

كما يأخذ الجانب الإنساني جزءاً من اهتمام فناننا فنجد لوحة لرجال الإطفاء الذين أنقذوا الكثيرين من البشر والحيوانات في الحرائق المروعة التي اندلعت في استراليا منذ عامين، ونرى لوحة أخرى تشرح معاناة الفقراء والعمل الشاق لكسب قوتهم اليومي، من خلال لوحةٍ لرجلٍ افريقيٍ منهك ويبدو الإرهاق الشديد على ملامحه من العمل في نقل البضائع، وجمعت إحدى لوحاته تحيةً لدور الأطباء والطاقم الطبي في مواجهة جائحة الكورونا مع طفلةٍ تبتسم بأمانٍ وهي ترسم تعبيراً عن الأمل والتفاؤل والشعور بالطمأنينة في وجود جهود العاملين في القطاع الصحي الذين يكافحون الوباء.

ولا شك أن تجربة الفنان الفلسطيني حنا كعبر ملهمة ومشرقة وباعثة على الأمل والتفاؤل، عندما نرى أن البدايات والشغف لا سن لهما وأن الإبداع مرتبط بالرغبة فيه مصحوباً بالإرادة والإيمان بقيمة العطاء وقيمة ما نقدمه، فوجود الجمال النابع من الأرض والطبيعة، والذي نبع من إحساس عميق بالجذور والوطن الفلسطيني رغم الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية ولم تستطع السنوات أن تنتزعه من وجدانه، ميز هذه التجربة وأعطاها زخماً إنسانياً خاصاً ومميزاً بصدقه، لا يجزئ المشاعر ولا يصنف البشر، فالإنسان يظل إنساناً في كل مكان، والوطن يبدأ من قلبه قبل أي مكانٍ آخر.


حنا كعبر فنان تشكيلي فلسطيني من بيت جالا مواليد الأردن العام ١٩٥٩ انقطع عن الرسم فترة طويلة واتجه إلى الرياضة لاعباً في نادي عمّان لكرة الطائرة ثم تأهل لتدريب المنتخب الوطني عام ١٩٧٩. ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة والعمل، ومنذ سنوات قليلة عاد إلى ممارسة الفن التشكيلي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s