أيام الولائم وعادة الضيافة – ملامح من المجتمع المصري في القرن 19

أيام الولائم وعادة الضيافة – ملامح من المجتمع المصري في القرن 19

د. ناصر أحمد إبراهيم

اللوحة: للمستشرق والرسام الإنجليزي إدوارد وليام لاين

تعد صفة الكرم والعطاء واستضافة الأقرباء والأصدقاء والغرباء والمسافرين ومن إليهم ظاهرة إنسانية؛ إذ لا يوجد مجتمع من المجتمعات، سواء في الشرق أو الغرب، لم تتوافر فيه هذه الظاهرة، وإن تباينت مستوياتها وطرائقها وما ارتبط بها من سلوكيات وترتيبات، وطبيعة الأدوار التي يقوم بها ناس معينون في تقديم الضيافة في سياق آداب وطقوس معينة، تستند جميعها فى تشكلها لطبيعة ومضمون التراث الثقافي والاجتماعي، المتباين بطبيعته من مجتمع إلى آخر. إن عادة الضيافة كظاهرة اجتماعية تمارس فى شئون حياتنا اليومية، ولا يمكن فهم طرائقها سوى فى سياق خصوصية الثقافة السائدة فى كل مجتمع، ومن هنا تصبح دراستها مدخلاً أساسيًا لفهم بعض تجليات التطور الثقافي والاجتماعي في سياقات معينة. 

والحقيقة أن دراسة مثل هذه الجوانب فى مجال الدراسات التاريخية والاجتماعية بدأ يأخذ، منذ سبعينيات القرن الماضي، اهتمامًا جديًا، وتصاغ له بعض المحاولات المنهجية التي تؤسس لحقل معرفي مستقل حول “أنثروبولوجيا الطعام”، “تاريخ التغذية”، “تاريخ الذوق”، و”تاريخ طقوس الطعام”، يُركز، لا على الأطعمة أو المطابخ، وإنما على معنى الطعام وما ينتجه من آداب وطقوس وعادات أصيلة حول إعداد الموائد أو طقوس الاستقبال وقيمة الاحتفالات العامة، وما تُضفيه تلك الطقوس من سحر ومعنى إلى علاقة الناس بمضيفهم. الطعام هنا يؤدي وظيفته بشكل فعال بوصفه نسقاً من انساق التواصل، ومعبراً في الوقت ذاته عن جانب من النسق الثقافي للناس في كل مجتمع. 

والمعروف أن “عادة الضيافة” على المستوى العام، والتي صاحبت “أيام المواسم” أو “أيام الولائم”، كما عرفتها المصادر الأدبية، شكلت عادة قديمة، رصدت لها الدولة بعض الأوقاف من جانب، وقامت بها، من جانب آخر، عائلات كبيرة، تأصل دورها من جيل إلى جيل في الحفاظ على هذه الممارسة الاجتماعية الكريمة.

إن دراسة هذا المسألة يمكن أن تسمح بتحليل شبكة العلاقات الاجتماعية، كما تجعلنا نقارب التمايزات الاجتماعية والثقافية التي يمكن أن نلاحظها مع حالة التعارض بين بذخ الموائد الأميرية وكثرة الخدم والأعوان المنوط بهم الإشراف على إعداد تلك الموائد وما يُحاط بها من أبهة المكان وملابس الخدم، وبين محدودية مائدة زاد الفقير، في الجانب الآخر من الصورة، والأدوات الأكثر بساطة فى تقديم واجب الضيافة، واكتفائه بشكل بسيط من الاستقبال، وقيامه بنفسه أو الاستعانة ببعض أفراد عائلته خلف هذا المشهد الاستقبالي البسيط. 

هدف المقاربة 

لا يُحاول هذا المقال رسم صورة تفصيلية لعادة قديمة مثل “عادة الضيافة” والأيام المرتبطة بها، بقدر ما يُراهن على عمل مقاربة حول دلالتها في المضمون الثقافي الاجتماعي، وتحديداً إبان فترة التحول التي مرت بها مصر عند منعطف القرن التاسع عشر، وهى الفترة التي شهدت مخاضاً قوياً، تزلزلت معه أركان المجتمع التقليدي الوسيط، ودمرت إطره، لصالح حداثة امتدت متغيراتها على مدار القرن التاسع عشر، حداثة فرضت شروطاً مختلفة للحياة؛ أنشأت مؤسسات حديثة دارت حول فكرة الدولة المركزية، وبدء نمو قطاع الخدمات المؤسسية برعايتها، وما انتهجته من سياسات عملية وترشيديه، كانت في مجملها متناقضة مع النظام المملوكي ومنظومته الاجتماعية التقليدية.

ويظل تاريخ أيام الولائم وعادة الضيافة العامة، بعيداً عن أن يحظى بنفسه كحدث تاريخي، لأنه يمثل في الأخير “قوة عادة”، حددتها طبيعة مجتمع، له ملامحه الخاصة. ويصح القول بإنه نوع من التاريخ البطيء المتسم بقوة التكرارية والثبات الذي يكاد أن يشكل جزءاً من الحياة البنيوية المادية والاجتماعية السائدة.

من حسن الحظ أن الفترة التقليدية التي ينهض هذا المقال بدراستها، قد توافقت مع الفترة التي عاصرها شيخنا عبد الرحمن الجبرتي، صاحب أعظم مدونة في كتابة يوميات مثقف مهموم بمتابعة تغيرات المشهد الاجتماعي في مصر المحروسة. كان الجبرتي – كما هو معروف – يراقب ويرصد ملامح التغير في حياة أهل المحروسة، فاستطاع بقلمه رسم صورة نابضة بدقائق الحياة الاجتماعية في مدينة القاهرة، بعاداتها وتقاليدها، سكونها وحركتها، تنوع فئات الناس فيها وتقلب مراتبهم ومواقعهم فى الهرم الاجتماعي، راصدا باحترافية دقيقة التباينات السلوكية والثقافية بين الريف والحضر، بين البارزين داخل دائرة السلطة والفاعلين الاجتماعيين حولها، والهامشين القابعين على تخومها أو أولئك المنبوذين خارجها… إلخ. وفى جملة واحدة رسم لنا بورتريه دينامي الحركة والتنوع، في كل قسماته وملامحه، تشتم من خطوطه المتقاطعة عبق الثقافة الاجتماعية المصرية الأصيلة.

 إن مسألة “مد الأسمطة” (الموائد) في المجال العام، وعادة الضيافة، وما ارتبط بها من عادات وقيم أصيلة، كانت أحد القضايا التي رصدتها عدسة الجبرتي المجهرية، وهى ترقب أخلاقيات المصريين المحدثين وطبائعهم في تلك الفترة الحيوية من تاريخ مصر، محدداً بحسه النقدي، مثل تلك العادات ودرجة صمودها في مواجهة تحديات التغيير التي هبت على مصر أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. 

بيَّن الجبرتي أن الضيافة ومكارم الأخلاق، وواجبات رعاية المسافرين، والتكافل التلقائي مع الفقراء والمحتاجين، كانت جزءًا أساسيًا من منظومة الحياة الاجتماعية المصرية. وهو يشير إليها في يومياته تحت عنوان ينبأ عن هذه الخاصية: “مطلب كان لأهل مصر سنن وطرائق في مكارم الأخلاق لا توجد في غيرها“. إن الجبرتي هنا كأنه يجيب قارئه عن سؤال ملح في زمانه، حول استكشاف مكارم أخلاق المصريين، وطبائع دورة حياتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية. خلافاً للجبرتي هناك كتابات أخرى معاصرة له أو جاءت بعد زمانه بقليل، تناولت القضية نفسها. فقد اهتم علماء الحملة على سبيل المثال في كتاب “وصف مصر” بالتوقف على بعض عادات المصريين؛ فكتب دي شابرول: “المصريون أسخياء بطبيعتهم، بل مجبلون على فعل الخير. إن أولئك الذين استطاعوا منهم بفضل مكانتهم ونفوذهم وثروتهم ألا تنالهم مظالم وانتهابات الحكام الطغاة، يعيشون فى بيوتهم فى أبهة وترف ويقومون عدة مرات فى العام بتوزيع الهبات والعطاءات”. 

هذه الشهادة ليست بعيدة عما رصدته ريشة الرحالة الشهير إدوارد وليم لين (زار مصر بين عامي 1833-1835)، وهو من أبرز من أولوا اهتماماً بدراسة طبائع وأخلاقيات المصريين المحدثين؛ فقد استوقفته الظاهرة نفسها، وأكد بأن “حسن الضيافة” من شيم أهالي الشرق عامة، وأن أبناء مصر يستحقون الثناء عليها، وهم يعرفون الضيف أو الزائر الذي يحل فى ديارهم بـ “المسافر”. ولا تظنن أن المصرى يجلس لتناول طعامه وغريب فى منزله فلا يدعوه إلى مشاركة الطعام، وإنه لمن الخزى والعار بل إنه انتهاك صارخ لقواعد الآداب أن يمتنع المسلم عن إعطاء الأمر بإعداد طاولة الطعام فى الوقت المحدد بسبب وجود زائر”. 

بيد أن الجبرتي أبرز وعيه النقدي، كمراقب، للتباين بين ممارسة هذه الثقافة فى مجتمع المدينة الصاخب، متنوع المشارب والأجناس والثقافات، الذي تنخفض فى محيطه، بدرجة ملحوظة، الروح الجماعية والروابط والصلات الاجتماعية، وبين واقعها المغاير فى الريف الهادئ، الأكثر تسامحا وتمسكاً بالتقاليد والأعراف وسنن التكافل الاجتماعي التلقائي التي تجبلت عليها الطبيعة الريفية، بصورة تجاوزت مستوى الممارسات المقابلة لها في المجتمع الحضري.

أيام الولائم مواسم يترقبها الفقراء

بيَّن الجبرتي أن العطاء والكرم عند جماعة النخبة الحضرية، التي يُعرفها بـ “بيوت الأعيان” ارتبط، فى معظم الأحوال، بالمواسم الدينية، وأطلق عليها اصطلاحاً  أيام الولائم “، “مثل أيام أول رجب والمعراج ونصف شعبان وليالي رمضان والأعياد وعاشوراء والمولد الشريف؛ فكانوا يطبخون فيها الأرز باللبن والـزردة، ويملئون مـن ذلك قصاعا كثيرة، ويفرقون منها على من يعرفونه من المحتاجين‏.‏ ويجتمع في كل بيت الكثير من الفقراء فيفرقون عليهم الخبز ويأكلون حتى يشبعوا من ذلك اللبن والزرده‏. ويعطونهم بعد ذلك دراهـم، ولهـم غيـر ذلـك صدقـات وصلـت لمـن يلـوذ فيهـم ويعرفـون منـه الاحتياج، وذلك خلاف ما يعمل ويفرق من الكعك المحشـو بالسكـر والعجميـة والشريـك علـى المدافـن والترب في الجمع والمواسم”‏. إنها حدث متكرر في كل عام أو بالأحرى تحولت إلى ما يشبه العادة المتكررة التي تجرى وقائعها بصورة منتظمة ورتيبة، لكنها كانت من دون شك، وبدرجة ما، قادرة على أن تحدث توازنات مؤقتة ونسبية.

هذه العملية ذات الطابع الاجتماعي، كانت تشكل جزءا من المجال الاجتماعي العام، يتقارب فيها الناس في مسألة تشغل الجميع، وكل يسعى إلى تبادل المشاركة فيها؛ انطلاقاً من وعي ديني واجتماعي قبل حقوق الأفراد غير القادرين، وبأهمية الحفاظ على هذه الدرجة من التكافل لذوي الحاجة، في ظل غيبة مؤسسات نوعية، ترعى هذه المسألة الاجتماعية، وهذا من دون شك كان أحد ملامح  الثقافة المادية التي سادت المجتمع، والموروثة من تراث ضارب في القدم، والتي اكتسبت قوة واستمرارية من قوة طابعه التكراري لأنشطة الأفراد والجماعات، حتى بداية التحديث الذي سيضع حداً لها بمرور الوقت على مدار القرن التاسع عشر.

إن فكرة المولد نفسها (كالاحتفال السنوي بمولد النبي أو موالد أهل الأضرحة من أولياء الله الصالحين والصوفية ومن إليهم)، كان يمكن أن تتحول إلى موسم وعيد؛ تولم فيها الولائم أياماً وليالي، وكان ينتظرها كذلك الفقراء ويترقبونها. وكانت السلطة المملوكية حريصة على احترام مخصصاتها العينية والمادية. وكان بيت السادة البكرية على سبيل المثال قائم على تنظيم الاحتفال بالمولد النبوي، فهو مناسبة دينية، تتبوأ مكانة كبيرة في ذاكرة المجتمع. وعلى مستوى العائلات تعد مناسبة للمِّ شمل الأسرة؛ حيث تتجمع العائلات على موائد الطعام ويحضر الأهل والأصدقاء لترديد الأناشيد أو الأغاني التي تدور حول حياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). كما تقام فعاليات في العديد من المدن التي تركز على أحداث حياة النبي وفقًا للقرآن والأحاديث.

 وفى زمن الحملة الفرنسية، لم يستطع بونابرت تفويت هذه المناسبة، إذ وجد فيها وسيلة مهمة للتقرب من المصريين، ونجده في مذكراته يشير إلى ذلك بوضوح: “كان لابد من التصالح مع الأفكار الدينية والابتعاد عن مهاجمة الرسول حتى لا يعتبر الفرنسيون أعداء للإسلام. كان من الضروري إقناع وكسب رجال الإفتاء والعلماء والشرفاء والأئمة لتأويل القرآن في صالح الجيش”. لذلك طلب من الجنرال مارمون Marmont في (أغسطس 1798) أن يزور الشيخ البكري ليوضح له بأن القائد العام على قناعة تامة بقدسية دين الإسلام وعظمة النبي محمد ورقي مكانته. وطلبوا منه أن يقوم بتنظيم الاحتفال بالمولد الشريف، وأمدوه بذات المخصصات المادية المعتادة. وبالفعل شهدت القاهرة احتفالا كبيرا، كما طلب من كليبر بالإسكندرية أن يقيم احتفالا مماثلا: “أرجو ان تكون قد أقمت الاحتفال بالمولد النبوي بنفس الأبهة التى قمنا بها في القاهرة”. 

بهذه المناسبة أعد الشيخ البكري مأدبة كبيرة تليق بصاري عسكر البلاد بونابرت ولكبار جنرالاته، بذل في تنميقها وتنسيقها بكل ما عرف عن الشرقيين والمسلمين من الكرم والبذخ. وتنقلنا شهادة استيف (مدير المالية في زمن الحملة) والذي كان أحد المدعوين، إلى تفاصيل وليمة العشاء وترتيباتها الشرقية: “تلقى القائد العام دعوة من الشيخ البكري لحضور هذا الحفل، وقد صحبته الى هناك هيئة أركان حربه، وكنت بالمثل في معيته. وقد لاحظنا أن العبادات كانت تقتصر على ترتيل رتيب لبعض آيات من القرآن، وتلاوة نسب الشيخ البكري، الذي يدل على أنه من أصلاب سلالة أبي بكر، وبعد ذلك حصلنا على نصيبنا من عطاءات البن والحلوى. كنا نسلك سلوك المسلمين، وقد تعشينا مع الشيخ، ومع أولئك الذين شاركوا في الوليمة التي أولمت لنا، وقدمت الاطباق على صواني واسعة من النحاس، وأكلنا على طريقة الشرقيين، لكن النبی حرمنا من نبيذ العشاء (أي لم يقدم لنا بسبب ما تقضي به الديانة الاسلامية) ودارت علينا المياه فشربنا كلنا من نفس البردق. وقد قسم المدعوون الى عدة مجموعات، وكان يجلس مع الشيخ القائد العام والجنرال برتييه Berthier (في مجموعة مستقلة)، وكانت لكل مجموعه صينية خاصة بها، وتختلف هذه الطريقة في تقديم الطعام قليلا مع الاساليب المعتادة عند المصريين، اذ تمر المائدة نفسها – في العادة – على التوالي لتنقل من السادة الى أهل البيت، وهكذا حتى تصل الى الخدم”. 

والحقيقة أن بونابرت سوف يقدر قيمة الفكرة الشرقية حول مد الموائد، ودورها في التقارب من المجتمع. فقد استغل مناسبة العيد السابع للثورة الفرنسية، وأقام احتفالا خاصا، بمقر قيادته (بقصر الألفي بك)، وأعد على طريقة الشرقيين “مأدبة عظيمة”، دعا إليها نخبة الشيوخ والعلماء إلى جانب بعض أغاوات العثمانيين والمماليك ممن عملوا مع الجانب الفرنسي منذ بداية الاحتلال، كما دعا نحو 200 من القادة الجنرالات وكبار الضباط في الجيش.

وخلافاً للاحتفال بالمولد النبوي، كانت ثمة احتفالات أخرى، تقام لموالد السادة الصوفية وأولياء الله الصالحين، كانت مناسبات مشهود لها من قبل المجتمع كذلك، ينتظرها الناس من عام لأخر؛ مثل مولد السيد البدوي الذي يصفه الجبرتي: “بأنه صار عند أهل الإقليم موسماً وعيداً لا يتخلفون عنه، إما للزيارة أو للتجارة أو للنزاهة أو للفسوق، ويجتمع به العالم الأكبر، وأهالي الإقليم البحري والقبلي”. كانت العطايا والولائم تمد ليل نهار، واعتبر من بين أهم أيام الولائم في المجتمع المصري.

‏إنها إذًا ممارسات موسمية لها صلة عميقة وأساسية بالبعد الديني أكثر من ارتباطها بالبعد الاجتماعي: فجماعات النخبة لم تكن تقبل على إحياء هذه العادات في كل مناسبة، انطلاقاً من وعيها بضرورة مراعاة الفئات الضعيفة والهامشية التي رأيناها تهمل في أشد أوقات الأزمات الاجتماعية كالمجاعات والأوبئة، دون أن تسعفها أو تنتشلها أيدي حانية. لقد كانت دوافع النخبة بالأحرى تتجه، بمختلف مستوياتها، إلى إعادة تمثيل نفسها، واستعراض قوتها المادية؛ كنخبة ثرية قادرة على التكفل بمد الأسمطة (موائد للعامة)، لإظهار هيبتها ودرجة ثرائها وقدراتها المادية التي تبز بها غيرها في مجال التنافس الشرفي. إن مثل هذه “الولائم المجتمعية” وتكرارها في كل عام، كان بمثابة إعادة تأكيد دورية للمكانة التي تحظى بها تلك الصفوة، المستحوذة على قمة الهرم الاجتماعي.

خلافاً لهذه المناسبات العامة (ذات الطابع الديني)، كانت جماعة النخبة من الأعيان والأمراء يحلو لهم خلق مناسبات أخرى، يستعرضون فيها كرمهم الخاص وعطاءهم السخي على المتصلين بهم من مجموعات مؤثرة في الأوساط الشعبية، على نحو ما لفت الجبرتي نظرنا إليه: فالأمير مراد بك مثلا (المتوفى فى العام 1801) حين بالغ فى عطاءاته الجزيلة للشعراء المادحين له ولسيرته، والمقربين إليه كذلك من العلماء والشيوخ، ممن كانوا بالنسبة له جهازًا إعلاميًا، ينشر من خلالهمملامح خاصة للصورة التي يريد رسمها لنفسه فى عيون الرعية؛ فنجد الجبرتي يشير إلى موائد الأمير مراد وكرمه، بعبارة لا تخلو من سخرية: “اشتهر بالكرم والعطاء؛ فقصده الراغبون؛ وامتدحه الشعراء والغاوون، وأخذ الشيء من غير حقه وأعطاه لغير مستحقه”.

أرباب المظاهر وأرباب الاستحقاق: مساحة من التناقض المعيشي

 إن وصف الجبرتي المتكرر لبكوات المماليك وكبار الأعيان المتصلين بهم، والقاطنين بالمدينة بأنهم من “أرباب المظاهر” ، لم يكن من قبيل الوصف المرسل الذي عمَّمَه على كبار بكوات المماليك أواخر القرن الثامن عشر؛ ولكنه كان مقصودًا فى ذاته؛ ومعبراً، بالمقارنة مع أسلافهم المماليك، عن مستوى جديد من الأبهة والإسراف. إنه المعنى الحرفي الذي قصده ثورشتاين فبلن، الذي كان سبَّاقاً في رصد ملامح الطبقة المترفة والكشف عن مكوناتها في محاولة منه لوضع نظرية خاصة حول الطبقة الغنية أو المترفة (في عام 1899). لقد كان لفبلن الفضل في نحت اصطلاح دقيق، يختزل كثير من التفاصيل، وهو “الإنفاق الشرفي”؛ والمعني به التضحية والبذل اللذين تمارسهما جماعة النخبة (المحتكرة للسلطة والثروة)؛ في سبيل تحديد المكانة واكتساب ملامح خاصة للوجاهة الاجتماعية، لترسم به خصوصية “المقام”، وتعين به حدودها كطبقة مترفة. 

إن اسماعيل الخشاب (وهو أحد المراقبين المعاصرين للجبرتي)، بيَّن أن بكوات أواخر القرن الثامن عشر، بالغوا، إلى حد كبير، في إنفاقهم على “المظاهر” التي رسمت ملامح خاصة للطبقة المملوكية الجديدة؛ فأشار إلى أن جماعة محمد بك أبو الذهب: “ترفهوا في ملابسهم ومأكلهم ومشاربهم، وخرجوا عن موضوع من كان قبلهم من الأمراء المتقدمين”. إن اصطلاح “أرباب المظاهر” إذن يؤشر على جماعة محددة من الصفوة، كانت تستثنى نفسها، بكثير من الوجاهة والأثرة، غير مبالية بالكتلة الاجتماعية الضخمة القابعة عند حدود الهامش، تنتظر عطاياهم في زمن المناسبات والاحتفالات العامة.

وتظهر الدلالة ذات الطابع الاجتماعى لاصطلاح “أرباب المظاهر” فى تقاطعه مع اصطلاح آخر أطلقه الجبرتي على الفئات العامة وهو “أهل الاستحقاق”. إنهم أولئك الواقعون، في معظمهم، تحت أشكال مختلفة من الاستغلال والتهميش. وقد تعطينا المسافة الفاصلة بين “أرباب المظاهر” و “أهل الاستحقاق”، انطباعًا عامًا عن جانب من تعميق الفروق الشديدة بين المجموعتين، بقدر ما تؤكد من جانب آخر على محدودية أنماط التكافل الاجتماعي السائدة فى ذلك الحين. 

كان أهل الاستحقاق (وخاصة الشريحة الدنيا منها) يجدون عبر مناسبات أخرى بعض الانفراجة، تأتي في سياق “الاحتفالات الاستثنائية” التي كانوا يترقبونها بين حين وآخر: مثل الاحتفال بختان أبناء الباشوات أو بعقد المصاهرات بين عائلات البكوات وكبار الأعيان، وهى التي أطلق الجبرتى على بعضها كذلك “أيام الولائم”. إن هذا الاصطلاح لا يخلو من مغزى بالنسبة للفئات الضعيفة: فأغلب تلك المناسبات كانت بيوت الأعيان تقيم خلالها ما يسمى بـ “المهمات الفاخرة” والتى بعضها دام شهرًا كاملاً؛ مثلما حدث فى مناسبة زواج إسماعيل بك من ابنة “إبراهيم كتخدا” (أستاذ على بك الكبير) فى سنة 1174هـ/ 1760م، والتى اعتبرها الجبرتى واحدة من أهم “المهمات الجسيمة والمواسم العظيمة التي لم يتفق نظيرها بعده بمصر”. هذا الإنفاق التفاخري الزائد عن الحد، وكأنه من ليالي ألف ليلة وليلة، كان مقصوداً في حد ذاته؛ للتأسيس لحدث اجتماعي تظل ذاكرة الناس تستدعيه في مسامراتها الخاصة، حدث يؤكد رغبة النخبة العسكرية والاجتماعية في التأكيد على مكانتها وقوتها المادية في التكفل الواسع بوليمة عامة تستمر لعدة أيام.

فى مثل تلك المناسبات كان البكوات يغدقون على العامة بالعطايا، ويقدمون الأطعمة والمشروبات والبقشيش. وتتزايد دائرة العطاء اتساعًا إذا ما تمت دعوة الباشا حاكم البلاد لحضور مثل هذا الاحتفال أو ذاك، ففى هذه الحال كان لا ينتظر من الأخير أن يقدم هدية ثمينة للأمير فحسب، وإنما كذلك كان يبذل مبلغًا كبيرًا، يليق بمكانته كأعلى رأس فى السلطة أكثر من تعبيره عن مكانة الأمير المملوكى صاحب العرس. وكان يُطلق على هذا المبلغ “رسم تفرقة”؛ حيث كان يودعه بين يدى الأمير فى منديل، ليتم توزيعه على الخدم وكل المشاركين فى إقامة العرس من الفئات الحرفية، أمثال أرباب الملاعيب أو أرباب الملاهي والبهلوانيين والطباخين والمزينين والمهتارية والخيالة ومن إليهم…إلخ”. كذلك الحال مع من يحضر من الأمراء البكوات للتهنئة، كانت تقدم الهدايا ثم يتلوها قيام الأمراء، وبنوع من المباهاة وإظهار التقدير للمحتفى به، بتوزيع “المحارم والمناديل” بأنفسهم على الحاضرين لهذا العرس. ومن السخرية أن هذه العطايا بدت كأنها تعيد للمجتمع بعضاً مما نهبته بصورة منتظمة أو غير منتظمة طبقة العسكر من البكوات واتباعهم المماليك.

 وثمة احتفالات أخرى كختان الأبناء، كان الباشوات وكذا الأمراء البكوات يسمحون بختان أبناء الفقراء مع أولادهم، وهو نوع من الشرف كان المصريون يفخرون به لأبنائهم، وبصرف النظر عن ذلك، كانت المناسبة تتيح فرصة للعامة لنيل بعض الإنعامات والمأكولات والدراهم من نخبتها المملوكية التي بدورها كانت ترى في مثل هذه المناسبات والإنعامات “رمزية الاندماج” في المجتمع، وتقربها إلى فئاته الشعبية العريضة. لقد مثل لها ذلك أكبر دعاية اجتماعية للبيوت المملوكية كما للباشوات العثمانيين في مثل تلك المناسبات الدورية. 

وتختفي فى الغالب، خارج هذه المناسبات الخاصة والاستثنائية، إنعامات الكبار وعطاياهم المادية: فقد كان الأمراء البكوات، حين يمدون السماط يوميًا، أمام “الرحبة الخارجية” لقصورهم – بسبب كثرة أعدادهم – وقتي الغذاء والعشاء، يرمقهم الفقراء من بعيد؛ من دون أن يجرؤ أحدهم على الاقتراب من موائدهم، فالحرسجية من القواسة والخدم كانوا مكلفين بالحيلولة دون اقتراب العامة من قصور البكوات وخاصة وقت إقامة موائد الطعام اليومية التي يسمع فقراء العامة ضجيجها من بعيد، فتتلظى نار غيظهم ، وتزداد مرارة وحقداً؛ جراء قسوة هؤلاء الحرسجية الأشداء!

 بيد أن شريحة من الفقراء، فى بعض الأحيان، لم تعدم الوسيلة التي حاولت بها اختراق هذا الحظر من خلال التحايل على الحرسجية البوابين: فقد رصد لنا اسماعيل الخشاب واحدة من الحوادث النادرة التى أمكن لحرفى فقير الفوز بمقعد على مائدة أحد كبار البكوات المشهورين وهو “اسماعيل بيك بن إيواظ بيك” (1735- 1791): فقد كان هذا الأمير معتاداً في شهر رمضان، من كل عام، كما هى “عادة أهل مصر”، على جمع العلماء والشيوخ والفقهاء لكى يتلون القرآن الكريم، فلما حاول الحرفي الطفيلي اقتحام منزل الأمير ومزاحمة المدعوين على سماطه، زجره الحراس ومنعاه من الدخول، فلم يجد سبيلا سوى التحايل من خلال استعارة حلية وجهية “بزى الفقهاء”، حصل عليها من قاضى باب سعادة الذى كان له به سابق معرفة، فلم يعرفه حرس الأمير، لكنه بعد أن التهم الطعام، حاول الإسراع بمغادرة المكان، بيد أن الأمير واتباعه لاحقوه وزادوا فى كرمه حتى عاد، وطالبه الأمير عندئذ  بقراءة ما تيسر من القرآن، فأسقط فى يد الأمير، واضطر إلى الاعتراف بحيلته: أنه “أمي لا يقرأ ولا يكتب… وأنه رجل طفيلى دعته شهوة الطعام إلى ذلك… وأنه يتوب ولن يعود لمثل ذلك، فضحك الأمير إسماعيل، وأمره بملازمة بيته فى كل ليلة !إن مغزى هذه الرواية الاستثنائية أنه ما كان لأحد من العوام الفقراء اقتحام موائد أهل اليسار بسهولة، وان غلبيتهم كان يتلظى من متابعة مشهد السماط الممتد للبكوات واتباعهم التي كانت قصورهم تضيق عن استيعابهم وقت الطعام.  

إن اللحظة الاستثنائية الوحيدة التي كان يسمح خلالها بكسر هذا الحظر، تُعطى للشخصيات الجادة غير المتطفلة، التي تسعى لقضاء بعض حاجاتها لدى الأمير؛ لأنهم بالطبع لم يأتوا بغرض المزاحمة على مائدته؛ وفى هذه الحال، كان من التصرفات الشائنة أن يمنع  “المسودَّة” – وهم القائمون على خدمة السماط والمائدة – مثل هؤلاء الأشخاص، يقول الجبرتى: “يقف الفراشون في وسطه (أى السماط)، يفرقون على الجالسين [من اتباع السيد] ويقربون إليهم ما بعد عنهم من القلايات والمحمرات، ولا يمنعون في وقت الطعام من يريد الدخول أصلا، ويرون أن ذلك من المعايب؛ حتى أن بعض ذوي الحاجات عند الأمراء إذا حجبهم الخدام انتظروا وقت الطعام، ودخلوا فلا يمنعهم الخدم في ذلك الوقت، فيدخل صاحب الحاجة ويأكل وينال غرضه من مخاطبة الأمير؛ لأنه إذا نظر على سماطه شخصًا لم يكن رآه قبل ذلك، ولم يذهب بعد الطعام، عرف أن لـه حاجـة‏، ‏فيطلبـه ويسألـه عـن حاجتـه، فيقضيهـا لـه، وأن كـان محتاجا واساه بشيء”.

وكان على هذه النخب الاجتماعية أن توفر تحت يدها مصادر متعددة لدخولها، حتى تتمكن من تغطية كلفة هذا الاستعراض الشرفي، والتكفل بالأبهة التي ترسم بها شخصيتها، وبأيام الولائم، باهظة التكاليف، كي تحافظ على مكانتها وموقعها في التراتبية الاجتماعية. ومن هنا كانت أعمال النهب الواسع والاحتكارات والمكوس والفرد والمظالم ومصادرة أخصب أراضي الالتزام والتوسع في ضمها تحت نفوذهم، قد مثل ظاهرة فجة. وحين فاض بالناس في أحدى الوقعات المثيرة التي قادها شيخ أزهري (صيف سنة 1795) طالبوا المماليك بإبطال المظالم والمكوس، ووفقاً للجبرتي – الذي سجل هذا الحوار- كان رد البكوات عليهم: “إننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات “فقيل لهم: “هذا ليس بعذر عند الله  ولا عند الناس وما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك، والأمير يكون أميراً بالإعطاء لا بالأخذ”. كانت هذه الصرخة إدانة لمجتمع أرباب المظاهر وأهل البذخ والترف. لكنها صرخة ذهبت سدى؛ إذ عاد البكوات ومماليكهم بعد أقل من شهر إلى ممارساتهم القديمة!.


في المقال القادم يتوقف الكاتب عند عادات الضيافة في أرياف مصر، وتأثر هذه العادات بالتطورات التي حصلت مع صعود الدولة الحديثة، ومحاولاتها وضع حدا لاستمرارية تقاليد المجتمع الوسيطي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s