يوم بكى أبي

يوم بكى أبي

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان الألماني كاسبار ديفيد فريدريش

لم أستطع منع عَبَرَاته التي انهمرت تترى على منحنيات خدين رسمتها أعوام ستون هي كل عمره، عندما عاد يسوق حنينه الذي رافقه سنين جلها عجاف إلى مسقط رأسه، ذلك الشيخ الذي أنجبني وهو في الثلاثين، وترمل بعدما تجاوزت التاسعة بقليل فآثر أن ينحني على شجرتي يرعاها دونما امرأة وحيدا غريبا، عاد يحمل ذكرياته، وأحمل معه شذرات عمر غض قضيته هنا، نسير من شارع إلى حارة إلى فضاء، تخترق خطواتنا أراض تعمد أصحابها تركها للبوار حتى يرتفع سعرها، وكلما مررنا بموضع غرست طفولته فيه ذكرى، أوقفني مشدوها يسترجع بأسى كيف كان، ويضع يده على صدره متحسبا ثم يتمتم: لا لا، لن تأتيهم الجرأة على فعل ذلك، لن تهون عليهم أرض أبيهم، ينفض رأسه متخلصا من غزو الأفكار السوداء ويحثني على المسير.

  • أخيرا وصلنا، صاح في لهفة، هذا سور حديقتنا يلوح من بعيد، أسرعي يا ابنتي.

أهرول خلفه، يسبقني متخطيا في رشاقة ذلك الشق الذي صنعه وإخوته صغارا بجوار جدار المسبح حتى يدخلوا منه خلسة إلى صحن الدار، وكنا- نحن الأبناء والأحفاد – نفر منه لنلعب مع أبناء الجيران.

  • أما قلت لك إنهم لن يفعلوها، تعالي نفاجئهم بوصولنا مثل أيامنا الخوالي.

انطلق أمامي ملتفا حول سور المسبح حتى وصل إلى الساقية الكبيرة التي كانت تدور كل جمعة لتسقي الأرض، وتغسل في طريقها “الفسقية” – مسبحنا الصغير- مغيرة ماءها حتى نستمتع بالسباحة فيها.

 تيبست قدماه فجأة، صرخ بأعلى صوته لا أصدق، غير معقول، أين البئر؟، فتح الباب المؤدي إلى المسبح وقال فزعا: مسبحنا تملؤه القمامة؟ 

هرول نحو الدار، الباب المفضي لصحنه الواسع مخلوع، وغربان الوحشة تنعق في أعماقه معلنة خلوه من الأحياء، انطلق نحو الحديقة، التنور الذي لم تنطفئ ناره يوما يقبع متشحا بالسواد، المصطبة التي شهدت أسمارهم وشقاوتنا تهدمت، تكعيبة العنب أصبحت هشيما، وأشجار الحديقة يصفر على أغصانها اليباب.

هرول تتعثر خطواته في حفريات التربة التي قتلها العطش، الموت يحيط به من كل جانب، وشياطين الخراب تحوم رافعة عقيرتها بالنصر.

جثا على الأرض منهارا: كانوا يكذبون علي، تركوني أعيش الوهم، أقتات على ذكريات السراب، كلما استحلفتهم بالله ألا يفرطوا أقسموا لي، وكلما سألت عن أحوالهم قالوا بخير، يا ابويا أرأيت ما صنع أولادك؟، يا امايا لمن ستغنين الآن؟ ولم تصنعين “شخشيخة الحصا وخيال المآتة”؟، لم تعد هناك غلال تطردين عنها العصافير والطيور العابثة، لن نزرع القطن الذي كنت تنتظرين نَوَّاره يتفتح فتغنين وبناتك له “نورت ياقطن النيل..”، لن تثمر أشجار برتقالنا فتنادين علينا: “ياللي زرعتوا البرتقان يالله اجمعوه..”، ولم تعد النخلات التي سميتها على أسمائنا تقف شامخة كعادتها، ويتدلى من سباطها البلح الأحمر فنغني له وقت الحصاد: “يا بلح زغلول ياحليوة يا بلح..” كيف ستصدحين الآن بأعذب أغنياتك وقد اختطفها البوم إلى الأبد؟ 

يا أماه، أسمعك الآن تنوحين مع غراب البين الذي حط على نخلة عبد الله؛ فتشاءمت روحك وصرت تقذفينه بالحصا وتصيحين: ابتعد عن نخلة ولدي يا غراب الشوم، وجلست أياما تتبعها الليالي حتى أتانا خبر استشهاده، فلتنوحي الآن علينا جميعا نواحا لا يرتجي عودة، نوحي حتى يبح صوتك، نوحي، فكلنا قد مات وذكرياتنا دفنت هنا، نوحي بحسرة المفجوعين، فقد متنا لكننا لسنا شهداء، “رحنا فطيس يامَّايا، رحنا فطيس”.

لفته غمامة من نحيب، كاد يغمى عليه، احتضنتُه في صدري، لم أره قبلا بتلك الحالة، تمزق قلبي إربا وتفرقت روحي:

– أيها الشيخ: لِمَ تُحمِّل نفسك من الأثقال مالا تطيق؟ لم تحمِل على كاهلك خطاياهم؟

– لقد رحلتُ لأوفر لهم قوتهم، وأتصبّرعلى تعليمهم بعد وفاة أبي حتى لا يضطروا للتفريط فيها،تركت الأرض أمانة في أيديهم، تنازلت عن حصتي في الميراث راضيا لأمي لكيلا يهينها أحد، وكل ما طلبته أن يحافظوا عليها.

كرروا خلفي يا أولاد وصية أبيكم: “الأرض عرض ما تفرطوا فيها،البايع نادم والشاري الربحان” لكنهم لم يحمدوا ولم يراعوا، فرطوا في عرضهم يا سهاد، ضيعوا أرض الأجداد، لم يحفظوا لي غربتي رغم أنسهم بدفء العائلة دوني، لم يعترفوا بحقي في جزء من الماضي الذي هو كل حياتي,آه ماذا جنيت اليوم غير الضياع وانكسار الأماني؟ تلك هي الضريبة، البعد جفا، وقد جفوتهم بوجودي ووصلتهم بالمال فتحولت في نظرهم إلى مصرف، محض مصرف يلجأون له وقت الحاجة وساعة الطمع دونما اعتبار لشيء، ماذا كان ينقصهم؟

  • إيهٍ يا أبت: يكفيك ما لديك من آلام، ويكفيك أنك أبي، نخلتي المثمرة في صحراء الحياة، فلا تترك نفسك للذكرى، دع مافات، ولنعش سويا الحاضر.
  • الماضي تاريخنا يابنتي، حياة أجدادك الذين أفنوها هنا على هذه الأرض،هنا زرعوا، وهناك رعوا، وبدمائهم وعرقهم رووا كل حبة رمل حتى أزهرت عبقا يدل عليهم، مابال الأبناء ينسون وينسلون من طينتهم؟ مابالهم يبيعون الثمين بالغث وهم لا يدرون أنهم سيحصدون الحنظل؟
  • هو حصادهم إذن، فلتدعنا نرسم حصادنا بما تبقى من أمل علنا لا نجني العلقم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s