عودك رنان

عودك رنان

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان المصري شوقي زغلول

ماذا لو منحتك الأقدار ما منحته لفتى مثل زياد رحباني؟ ماذا لو ولدت في بيت أعمدته عاصي ومنصور رحباني، وواحته الظليلة فيروز؟ ماذا لو تثقفت أذناك على روائع الموسيقى، واغتسلت روحك بعبير الألحان؟ هل كنت ستختار نفس المسار الذي خطه لنفسه؟ هل ستكون راضيا عما آلت إليه الحال الآن من انحطاط للفنون، وغياب للمعرفة، وصعود المتسلقين الجهلاء في كل مجال على حساب من يحملون هما حقيقيا لحقوق الإنسان؟

حقيقة، كنت مثل قاعدة عريضة من المثقفين- إن كنت أستحق هذا اللقب- لا أعرف عن الرحبانية غير ما أحب أن أعرف، وخصوصا زياد رحباني، وكنت مثل كثيرين، تختلط علي ألحان زياد التي قدمها لفيروز في بداياته مع ألحان الأخوين رحباني، أدندن منفردة أو في جمع بألحانه الفيروزية ولا أعلم أن أجمل ما عشقت من صغري لفيروز كان من ألحان هذا الفتى- زياد – وليس من ألحان والده، إنها عزيزي القارئ، سطحية المعرفة، وضحالة البحث، والاكتفاء بما غذيت به عقلك؛ فغلّقتَ أبوابه على مقدار معين من المعلومات آمن بها، واعتقد أنها كافية، أقصد عقلك الذي كبلته بالطبع، فلا يتعداها للبحث عن غيرها؛ ظنا منه أنها الأصوب وبها يكتفي.

لعلك أيها القارئ مثلي، تأبى أحيانا أن تفتح نوافذك لهبات جديدة من المعرفة والبحث والعلم والاستنباطات المبنية على سعة النظر، خاصة إذا تعلق الأمر بما نسميه الثوابت، هل ثمة شيء ثابت في هذا الكون؟ لم إذن نقف عند أفكار أو معارف بعينها؛ لنعتبرها ثوابت لا نحيد فكريا عنها؟

معذرة، ربما أخذنا الكلام إلى منعطف يحتاج منا الكثير من التوضيح والحديث حوله، دعنا الآن قارئي العزيز، نعود إلى بداية القول.

لم أكن على دراية كافية بما قدم زياد للساحة الفنية، وربما لو سألتك: ماذا تتذكر لزياد رحباني من أعمال لاستغرقك الصمت طويلا، ثم تذكرت له ما تعده على أصابع يديك.

لم أكن أيضا على بينة من كل ما عناه وقصده فيما قدم من أعمال، حتى اصطحبني صديقٌ مفكر في رحلة طويلة ونقاشات مكثفة حول أعمال زياد رحباني من مسرحيات وأغان صاغ كلماتها وألحانها بنفسه، وربما غناها أيضا، وقتها رأيت كيف ظُلم هذا الفنان، ومدى ما تعرض له من هجوم وتهميش بغية نسيانه، ومقدار ما عاناه من الجمهور والنقاد وذوي المعارف البسيطة على حد سواء.

رأيت بعقلي وإحساسي ما لم أكن أراه، فقط لأني سمحت لطيور أفكاري أن تفتح النوافذ، وتحلق في فضاءات مغايرة، مبتعدة عن التنميط والقولبة والثوابت والمتعارف عليه.

اسمح لي قارئي العزيز أن أصحبك في رحلة – رأيت أنه من واجبي أن أعرضها عليك – مع زياد رحباني من خلال بعض أعماله، كما رأيتها، استعرت اسمها من أحد ألحانه التي كتب كلماتها أيضا وغنتها والدته فيروز، عودك رنان، وعلى رنات عود زياد، أو بالأحرى رنات أوتار البيانو الذي يفضل التلحين على أصابعه، أحاول أن أبدأ الرحلة، ولا أدري من أين أبدا، لكنني سأحاول.

  1. أنا مش كافر:

نفي لكل ما لحق ويلحق به من وصوم ووسوم وسمات، تأكيد على أن المفردة التي ننعت بها أحد ونستمرئها؛ لقرار معناها الآتي من الثوابت في الأذهان، نعت مخطئ، الصواب في مكان آخر غير المقصود، وإن كان نعته بالكافر نسبة لما في الأذهان من ثوابت، فهو نعت كافر، والأشد كفرا منه أن يتداوله ذوو النفوس المكرسون للظلام المعرفي، فيرد في بساطة عليهم بالنفي: أنا مش كافر، ثم يعدد أشكال الكفر: بس الجوع كافر- بس المرض كافر – بس الفقر كافر، والذلّ كافر، ثم يعود ليبرر لم بدا للعيان أنه كافر؟

يقول: لكن شو بعملّك إذا اجتمعوا فيّي كل الإشيا الكافرين؟

إنه الفرد الذي اجتمع عليه الجوع والفقر والمرض والذل، كيف تسول لك نفسك أن تنعته بالكفر، وكل الظروف المحيطة به كافرة؟ كافرة بالإنسانية وبحقوقها، فكيف تطلبُ منه الانخراط في القطيع؟

ثم يتعرض للذين يتاجرون بتدينهم، فيقولون مالا يفعلون، ويعظون الناس بما لا يترجمونه عمليا في سلوكهم، وهم يظنون أنهم طالما يرتادون دور العبادة ويحافظون على الفروض التي تظهرهم أمام الناس بثياب المتدينين، فعليهم أن يطلقوا حناجرهم بالنصح والإرشاد لمن يرونهم بالطبع أقل منهم مكانة لأنهم مقصرون في مظاهر العبادة، ولهم الحق في أن يطلقوا وصف الكافر على من دونهم مظهرية، في حين أن الكتب السماوية بالتأكيد لم تقل ذلك:

يللي بيصلّي الأحد، ويللي بيصلي الجمعة

وقاعد يفلح فينا على طول الجمعة

هوّ يللي ديّن قال، وأنا يللي كافر عال

راجعوا الكتب السماوية راجعوا كلام القادر

أنا مش كافر..

وينتقل بنا زياد إلى مستوى آخر من الوعي، وتصحيح توصيف الكافر كما يرى، فيبين كم هو محارب ومتقصد من المسؤولين، ومن المتسلقين المتنطعين، ومن الحاسدين المتغولين، فلم يتركوا فرصة لاكتساب الرزق حتى ضيقوها، ولا فرصة سانحة إلا قفزوا عليها واستلبوها، ولا فرصة للحياة إلا أعدموها، وليس ذلك من حاجة، لكنه الطمع فيما ليس في أيديهم، وليس من عوز، ولكن رغبة دفينة ألا تصعد أنت ويبرز نجمك، أو تتمتع بالحرية في سماء أخرى، وربما خوفا منك لأن سطوعك أبهى، ووجودك أرقى، وموهبتك أنقى، وإدهاشك أعمق: 

أنا مش كافر بس البلد كافر

أنا مقبووور ببيتي ومش قادر هاجر

وعم تاكل لي اللقمة بتمّي وأكلك قدّامك يا عمّي

وإذا بكفر بتقلي كافر

معمّم عالدول الغربية ومبلّغ كل المخافر

ويصل بنا زياد في النهاية، إلى أن صفة الكافر لا يمكن أن تكون لصيقة به أو بمن يماثله، إنما الحاقد المتسلط الوصولي المنافق من الناس هم أحق بتلك الصفة، ولا يلصقونها به إلا لأنها أصيلة في نفوسهم، فكل يرى الآخر بعين عقله.

إن ذلك ليذكرني بما يحدث بلبنان الحبيبة الآن، فكلما تطلعت إليها، أو سمعت أخبارها، ذاب القلب حزنا، وتمثل أمامي زياد الرحباني كما تمثل لغيري بالتأكيد ممن سمعوه أو عرفوه، يؤكد ذلك تلك الفاجعة التي هزت لبنان في وقتها، حيث أقدم أحد المواطنين المقهورين على إطلاق النار على نفسه قرب أحد مقاهي شارع الحمراء ببيروت، بعدما عانى من قسوة الأوضاع المعيشة والاقتصادية التي يمر بها لبنان حاليا، ويقول من شهد الواقعة إن آخر جملة كتبها هذا المواطن هي “أنا مش كافر”، ثم صاح قائلا: “لبنان حر مستقل” وأعقب ذلك بطلقة نارية أنهت عذاباته.

الجميل الرائع في هذا العمل مثل كل أعمال زياد رحباني، أنه يستشرف القادم، فقد كتبت الأغنية وقدمت عام ١٩٨٥م، ويناقش الحاضر بما له وما عليه بأسلوب فني راق، ويتخير الثوب الموسيقي السهل الممتنع ليلبسه كلماته، مثل هذا اللحن الذي اعتمده لتلك الكلمات البسيطة الصريحة المباشرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s