رائحة الكتب

رائحة الكتب

نبيلة يحياوي

اللوحة: الفنان الإيطالي دوبليو بارنابي

فتحت خزانته الممتلئة بالكتب القديمة قدم التاريخ، كتب تحمل أنفاس كل كاتب هويات مختلفة، لغات مختلفة، وافكار ايضا مختلفة.. طبعا ونتائج مختلفة. بدأت أمعن النظر فيها والغبار يطفو فوقها سمكا كبيرا، وفي تلك الرفوف، ولكثرتها لم أجد سبيلا لنفسي، سوى أنني استسلمت للماضي؛ شعرت برغبة في البكاء الشديد، وبعالم محدود الأرجاء، يطوقني إليه، وحشرجة فؤاد تائه في اسن قديمة، وفي عالم حسي بغيض، وفيه غصت بذاكرتي، وعدت بسنوات الى الوراء؛ لا شيء ينبع براقا إلا أن كان كذلك، ولهذا فذاكرتنا تحتفظ بكل شيء؛ حتى أحقرها، وأصغرها شأنا.. هامته، وسامته، شعره الاسود كالليل، هيبته، ورائحة السجائر التي تعم المكان، وطريقة كلامه التي تعطر العقول، وتسكر الأذهان، مشيته الهادئة، الساخطة، وغضبه الموج المتعالي كالجبال، كل شيء فيه كان براقا براقا لتواضعه، والتزامه الدائب. اختطفني الماضي خلسة، وأدهشتني الحياة! كيف كان وكيف أصبح؟ كيف تهرب منا لحظات العمر خطفة اللص الهارب، وكيف ترمي بنا في موجات الألم، وترفسنا بالأقدام، وكأننا لا شيء! وهناك، لا هنا كنت اسمع خطواته الهادئة، وهو يقترب ويدنو الى عالمه البسيط، شجرة الصفصاف، كرسي خشبي ثابت، وغليون، وبعض من الاقلام، هنا، وهناك، واوراق متناثرة، وكتب، وأنا أنزل الى عالمه المعتاد اعتيادا عفويا، بعد أن يطلب كوبا من القهوة، قريرته، وخلته، ووحدته، ويسرد كالعادة وهو يتحدث وكلامه لا يخلو من الحكمة، والإدراك، والبديهة، والملاحظة؛ وكأنه يحمل العالم بين كفيه وكيف لا! رجل حكيم في السياسة، والعلم، رجل يمارس الدين سلوكا ومعاملة، رجل أحس بالوطنية المفقودة النادرة المتهدمة، في زمن العربدة. يتحدث ثانية، ويسالني كل مرة: ما بال هذا الجيل لا يفتح كتابا ولا يقرأ؟. أرد عليه بعفوية: ما الجدوى من ذلك؟ فالعالم حقير، لا ينبني على الكتب، إنما على اثنين من واقع محتوم: النفوذ والنقود، كما شئت، نقطة واحدة ولا فرق. يقاطعني قائلا: لالا، هذا ليس منطقيا أول ما نزل من القران الكريم: اقرا وفي كلام الله عز وجل، الحكمة، ولاشي ابلغ مكانة وسموا من كلام الله كحكمته وسنته في الكون، يستدرجني الى المضمون دونما أي شعور، وادخل في لب الرسالة، واسترداد الحكمة، وأجد لذة في الاستماع، وابتسم ابتسامة عريضة لأشتت انتباهه عن الموضوع؛ حسنا، أخبرني ما الكتاب الذي بين يديك؟ ينظر الي ويجيبني بطلقة باردة وهو يضحك، وأرى وسامته في ابتسامته النادرة وهو واثق كل الثقة أنني أحاول الهروب، من قضايا هي في اعتقادي أكبر مني بكثير؛ لماذا سأقحم نفسي في الكتب والممارسات الخارجة عن براءتي واهتمامي بالحياة كأي امرأة عادية!. وتأتي النسمة الباردة في اخر النهار، وتلتم اوراق الشجر عزفا بالألحان، حفيفها، ظلها، همساتها، تطل علينا من تراسيم الكون الرائع واهمس لنفسي، لروحي، نكهة الكتاب، رائحة الكتاب امتزج بعطر الطبيعة الفواح، وينتابني شعور غريب داخلي، مؤلم، ملبد، وانزوي اجدني تائهة ابحث عن نافذة لأتنفس بقايا العياء، واللوم، والعتاب.. يأخذ قلما ويكتب: كنا نعيش من اجل الاخر، كنا نموت ليعيش الاخر، نمنح شخصنا قربانا لأشخاص، لا ان نقضي على اشخاص ليحيا الواحد، اذا تحدث الحكيم فينا؛ انصتنا، اذا اخطأنا اعترفنا تواضعنا فارتفعنا، تألمنا واهدينا احلامنا للآخر  بعد كل هذه السنوات التي انقضت، واختفت، بعد كل هذا العمر الذي يجتر مآسينا، ويتشبث بماضينا، أسلي نفسي دوما بالعودة اليه في خيالي اشتهي رائحة الكتب، منه، ويوقظني الحلم واستفيق من خطفة الزمن والذكرى، واكرر الامعان في الكتب التي استوت طريقة وضعها، اغلفتها، التي كانت بين الاحمر والاخضر، ألتف بحزني الشديد، واحيانا افضل ان انزل كالعادة الى نفس المكان لأعيش اجمل ما كان للقلب ان يشعر، وللروح ان تسمو وتستكين، اناديه، وابكي لضياع غليونه، وقد غزا الشيب رأسه، وتجاعيد الزمن في وجهه نقشت بالإزميل، ، قالها يوما.. ما بال الجيل الصاعد لا يفتح كتابا ولا يقرأ؟! أين رائحة الكتب؟ أين الأقلام؟ أناديه، للمرة الثانية، والثالثة.. هل سأنفض الغبار عنها يا أبي؟ 

اترك رد