دانتيلا النور

دانتيلا النور

حنان عبد القادر 

 في طفولتنا، ونحن يدفعنا خيالنا وعميق تأملنا يذكيه حب الاستطلاع، كنا نسعد برؤية تلك الكائنات على شاشات التلفاز، وتبهرنا بجمالها في الرسوم المتحركة، ونسبح في تخيلاتنا معها أنها تقتبس صوتا من الملائكة ترنم به وهي تجوب أعماق البحار في تجمعاتها المبهجة لتضيء ظلمتها، وتؤنس وحدتها، كنا نسميها: “دانتيلا النور”

 ثم صرنا نلاحقها على الشواطئ، نبحث عنها لنكتشف حقيقة سرها, غير عابئين بتحذيرات الكبار منها, ولما نعثر على جثة أحدها وقد لفظته الأمواج على البر، كنا نجتمع نقلبه يمينا ويسارا فلا نجده مبهرا كما في خيالنا فنعزي ذلك للموت الذي حوله إلى كتلة هلام غير مبهجة.

وجاء يوم نكتشف فيه سر مخاوف الكبار منها، وحرصهم على تحذيرنا من اللعب بها أو الاقتراب، عندما خرج المصطافون من البحر يحملون طفلا يصرخ من شدة الألم، ثم طفقوا يصبون على جسده الخل صبا، لكنه لم ينج من التشويه وكأنه ضرب بسياط من نار، وعرفنا أن السبب لدغة أحدها له، فكمن الخوف داخلنا لكننا مازلنا نحمل في خيالنا منظرها الرائع وهي تجوب البحار مرنمة ومرسلة بريقها في عمق العتمة، إنها قناديل البحر، “دانتيلا النور”.

 وتعد قناديل البحر من أقدم الحيوانات الموجودة على الأرض حيث يقدر عمرها بأكثر من خمسمئة مليون سنة أو أكثر، وأنواعها متعددة، وتصنف من اللاسعات.

 والقنديل حيوان بحري من الرخويات يصنف في شعبة الاسفنجيات شكله عبارة عن كيس شفاف، قوامه هلامي وله أطراف طويلة رفيعة تسمى “اللوامس”، وتركيبه بسيط غير معقد حيث لا يحتوي على رأس أو نظام هضمي طبيعي فيه معدة تستقبل الغذاء وتهضمه، فالأمعاء هي التي تستقبل الطعام، وفتحه فمه بالوسط وله العديد من اللوامس أو المجسات الحسية. 

 يتبع القنديل فصيلة اللافقاريات، ليس له دماغ أو جهاز عصبي بل شبكة فضفاضة من الأعصاب، ويتحرك في الماء بانقباض جسمه وفرده في حركات حرة تساعده فيها حركة التيار المائي على الانتقال لمسافات بعيدة، ويشكل الماءنسبة عالية من جسمه تصل إلى 95% من وزنه، أذرعه تحوي خلايا لاسعة , كل خلية لاسعة تحوي على سهم طويل وكيس سم تدافع به عن أنفسها وتلسع به ضحاياها ؛ لذا تعد من الكائنات المزعجة للإنسان والمكروه تواجدها، وخاصة وقت انتشارها في فصل الصيف على الشواطئ المختلفة.

ويتكون جسم القنديل من ثلاث طبقات: الطبقة الداخلية التي تؤدي عمل الجهاز الهضمي لدى الكائنات الأكثر تطوراً، والهلامية وهي الأكبر، وطبقة الخلايا الشريطية اللاسعة التي تبرز في أسفل القنديل كخيوط قطنية مختلفة الطول وهذه الخيوط هي التي تجعل الاحتراس منه أمرا واجباً لدى السباحة ولا ضرر على الإطلاق في لمس ظهر القنديل، أو القسم الأمامي منه، لأنه لا يحمل خلايا سمية.

أنواعها وأشكالها

تتعدد أنواع قناديل البحر وتختلف، ومنها أنواع يمكن أن تؤدي سميتها إلى الوفاة، حيث يعتبر قنديل البحر من أكثر الكائنات البحرية سميّة، و لسعة منه تكفي لقتل إنسان في ثوان معدودة، خاصة الأنواع المنتشر على سواحل أستراليا، بينما تسبب الأقل سميّة حساسية عالية في جلد الإنسان، حيث يوجد السم في أكياس صغيرة تحتوي على أشواك تلتصق بجسم الإنسان في حالة ملامسته، ويتضمن سمّه مركبات كيميائيّة خطيرة منها “الهيستامين”. وتتعدد كذلك ألوان قنديل البحر باختلاف أنواعه، فمنه الأحمر، والأخضر، والأبيض، والأصفر، والأرجواني.

 وتفضّل قناديل البحر العيش في المياه المالحة، وتتكاثر عن طريق البيوض، حيث تضع بيضها وتتركه ليسبح في الماء حتّى يصل إلى مكان ثابت يلتصق به إلى أن يفقس، وتخرج القناديل الصغيرة من البيض وتلتصق بالصخور أو بأي شيء آخر تجده في الماء، ثم تتحول ببطء إلى شكل طبق لتأخذ بعدئذ شكل زهرة ذات بتلات، كل بتلة هي قنديل جديد يبدأ بالوميض قليلا ليستمر مشعاً مزيناً ظلام القاع ببريق أبيض يتلألأ، لذا استحق أن يطلق عليه اسم قنديل البحر.

وتتغذّى القناديل على يرقات الأسماك وبيوضها وعلى العوالق البحريّة الحيوانيّة الأخرى، لكنها نفسها تعتبر غذاء للسلاحف البحريّة، وبعض أنواع السّمك. 

وتختلف أحجامها وتتباين، فمنها ما يكون حجمه لا يتجاوز السنتمترات، وبعض الأحجام تصل إلى اثني عشر قدما، مثل قنديل نومورا الذي يزيد حجمه -عندما يكتمل نموه- عن حجم الإنسان العادي، فيصل قطره مترين تقريبا، ووزنه إلى مئتي كجم، وقد تصل المجسات الحسية لبعض قناديل البحر إلى أكثر من مئة قدم في الطول. 

وقد تمّ اكتشاف أكثر من مئتي نوع من قناديل البحر، ومن أشهر أنواعه وأجملها تلك التي تشبه “الفسيفساء”؛ حيث يعيش هذا النّوع في المياه الباردة والدافئة أيضاً. 

ويعد قنديل القبعة المزهرة من القناديل النادرة صغيرة الحجم، وهو ملفت للنظر بسبب ظلاله ذات الأوان الأرجوانية والبرتقالية, شكله كقبعة مزهرة وردية اللون ولسعته مؤلمة ولكنها غير قاتلة للإنسان, يتغذى بالأساس على الأسماك الصغيرة حيث يمسك ضحيته عن طريق حقنها بالسم من خلاياه اللاسعة، و يعيش في مياه البرازيل والأرجنتين.

وهناك قنديل البحر القمريّ الذي يشبه شكل القمر والذي يعيش في شمال المحيط الأطلسي، وقنديل البحر قرمزيّ التخطيط الذي يعيش في سواحل كاليفورنيا، وقنديل البحر ذو رأس الأسد والذي تشبه مجسّاته شكل شعر الأسد، ومن أنواعه كذلك قنديل البحر المشط، والذي تشبه أهدابه شعيرات المشط.

ويعد القنديل الصندوقي الأسترالي أو قنديل البحر المربع أخطر أنواع القناديل على الإطلاق ويُطلق عليه “زنبور البحر”، حيث يقوم ببث السم داخل جسم الانسان مما يؤدي إلى رفع ضغط الدم وتوقف القلب على الفور فيودي بحياته.

 ويختلف هذا النوع عن باقي انواع قناديل البحر في شكله المربع، كما يعد أسرع انواع قناديل البحر حيث تم تسجيل متوسط سرعته بحوالي ستة امتار في الدقيقة الواحدة، كما ان الجهاز العصبي له اكثر تطورا من العديد من قناديل البحر الأخرى، وتصل طول مجساته الى حوالي ثلاثة أمتار ويمكن أن يصل وزنه إلى اثنين كيلوجرام، ولأن سرعته أكبر من سرعة باقي القناديل الأخرى، وبسبب شكله الشفاف، يصعب ملاحظته، لذا يُعتبر أكثر كائن بحري سام في العالم.

 أما القنديل ذو اللوامس الطويلة يصل طوله لأكثر من 30 سم ويعيش في المياه الباردة جداَ التي تصل لدرجة التجمد، ويوجدبالقارة القطبية الجنوبية، جسمه لين , إسفنجي ويأخذ شكل الأنبوبة، وتتراوح ألوانه بين البني , البني المحمر والبرتقالي.

كائنات جميلة

على الرغم من أن قناديل البحر من الحيوانات البحرية المؤذية للمصطافين ورواد الشواطئ والمنتجعات السياحية الساحلية، إلا أن لها علاقات مسالمة مع بعض أنواع الأسماك، ففي المحيط الأطلسي لوحظ أن صغار بعض الأسماك تقتفي أثر لوامس قناديل البحر الضخمة، لتواصل نموها في حمايتها، خاصة أثناء موسم تكاثر هذه القناديل.

 وإذا واجه السابح قنديل بحر فلا داعي للخوف أو الذعر منه، وما عليه إلا أن يلمسه من القسم الأمامي بكل لطف ليغير وجهة سيره مبتعدا عنه، لكن من الخطأ أن يضرب القنديل إلى حد القتل لأن شعيراته ستتطاير مع التيارات البحرية وتلسع كل من تجده في طريقها.

ومن الجدير بالذكر، أن العلماء اكتشفوا احتواء القناديل على بعض البروتينات التي يمكن أن تستخدم كعلاج، كالبروتينات الفلورية الخضراء وهذه البروتينات مفيدة في مراقبة العمليات الخاصة بالخلية مما يُساعد على إيجاد علاج لأمراض خطيرة مثل السرطان والزهايمر، لكن الإثارة الحقيقية تبدأ بعد موت قناديل البحر، فعندما تموت بعض الفصائل، تهبط إلى قاع المحيط وتبدأ في التحلل، لكن العجيب أن خلاياها تتجمع مرة أخرى، لتطور قناديل بحرية جديدة، لتبدأ حياتها من جديد، ويعد العلماء هذا الاكتشاف اكتشافا مذهلا، بل أروع الاكتشافات في العصر الحديث؛

فقنديل البحر عندما يضعفه المرض أو يشيخ أو يواجه مخاطر مهلكة، يستدعي آلية البقاء العجيبة، فيجدد خلاياه وأنسجته بعد موتها، وتعتمد عملية التجديد هذه، على إعادة برمجة خلايا الجسم أو ما يسمى بالتحول الخلوي، إذ تتحول خلايا قنديل البحر من نوع إلى آخر، لتغير خطة بناء الجسم وتطوره، وقد يعد هذا الاكتشاف ملفتا للباحثين عن الخلود الرافضين أن تنال منهم الشيخوخة، وقد يعتبر هذا الكشف هو الباب الذي سيقود الإنسان إلى استعادة شبابه، أو العيش في شباب دائم، فيعمر طويلا.

 لكن الأهم فوق ذلك هو جمال قناديل البحر فلعلها أجمل المخلوقات البحرية على الإطلاق. فما أجمل أن تتأملها وهي تسبح على مقربة منك وشعيراتها تسبح خلفها بانتظام رائع وبضع سمكات صغيرة تسبح من حولها، بينما يشع ضوؤها الهادئ لينير عتمة الأعماق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s