مؤاساة

مؤاساة

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان السوري طاهر البني

وحدي هذه المرة جئت إلى هنا، منفردة بألمي وأحزاني، بدموعي وأتراحي، منفردة بهذه الروح الكسيحة.

جئت إلى نفس المكان الذي شهد نصري وانكساري،بريقي وانطفائي، توقدي واحتضاري، وجهان مختلفان لي، نقيضان يجتمعان رغم استحالة ورود ذلك على تخيلي قبل تلك اللحظة.

 على نفس الأريكة جلست طويلا، أهدهد جرحا مسمما سقيما، قلبا ملأه الموت من زمن، كنت أراهن على حسن مؤاساتي وطهارة نواياي غير عابئة بأبعاد الآخر، لكني آمنت بانتصاري، بالحب الذي أكنه للعالم، بقدرتي على التغيير.

لم يدر بخلدي يوما أن نتبادل الأدوار، فأصبح تلك المرأة المنهزمة أمام مرارة الواقع، وتقلب الأحداث.

امرأة كانت كل أسلحتها المشهرة في وجه التحزبات والانقسامات وشعارات الطائفية، قلبها المفتوح على الحياة، وعقلها الذي يؤمن أننا جميعا من تراب وحتما سنعود إليه تاركين خلفنا جبل الترهات بلا ثمن، فلم إذن كل تلك الشحناء والبغضاء والحروب؟

امرأة تحدت التقاليد، وخرجت على الأعراف في صحوة شبابها، فحاربتها عائلتها واعتزلتها طويلا، لكن الوقت أقوى كفيل، والتناسي خير معين، فعادت إليها معترفة بمدى جنونها وأنها كائن لا يصلح معه غير أن يتقبل كما هو بشطحاته وعناده، لكنها الحياة، لا تدوم على حال، والفائز فيها من يعشقها بتقلبها،ويتماشى مع مستجداتها راسما لنفسه خطة بديلة وسلما نحو الصعود.

 ها أنذا، أعود لنفس المكان الذي التقيته فيه أول مرة، منكسرا وحيدا كان، ومهمتي جبره وإيناسه، حاولت لملمة شظايا روحه التي نثرتها متفجرات القبيلة، دائما ما كان يردد: لا فائدة، العرف أقوى، والعقيدة القبلية تهزم الدين فلا تحاولي، سنوات وأنا أناطحها حتى كسرت روحي، لا مجال إلا الإذعان والسير في السرب، فقد تهرأت كرامتي من شدة الوطء، وذلت نفسي بما فيه الكفاية، فلأعترف إذن أن التيار أقوى من مقاومتي، وأسلحتي اصابها الوهن.

إيماني بنجاحي وإصراري عليه دفعاني في خضم أمواجه ألاطمها بما أوتيت من عتاد،تبنيت جراحاته وصرت آسيتها، اعتدت وجوده فأنساني معه ذاتي وذبت في ذاته، انصهرت فيه حتى النخاع .

حلقنا سويا إلى أعلى مما كان يتخيل, وأدنى كثيرا مما حلمتُ به،لكني مازلت أصر على التحليق ظانة أن روحه التي تحررت حديثا تحملني على جناحيها بأمان،بيد أني كنت أرفل في وهمي الكبير، وخديعتي القاتلة، فما أن رأيت وهج الشمس حتى تفككت أواصري, وطارت ريشاتي فهويت على وجهي هنا لا أدري وجهتي،نفس المكان، مهد انطلاقي، وسجني، واحتراقي.

 تبدل وجهه الذي ظننتني أعرفه، حاكمني بقانون حاربه طويلا مشهرا في وجهي أسلحته، مبتدعا أعرافا أنكى وأمر.

إيهٍ أيتها الحياة،هكذا قلوب البشر، ما تلبث تستريح حتى تبحث عن شقائها ثانية، فما أغباها وأحمقها!

لن تني تبحث عن مستحيل حتى ترى اليقين، لكنها لن تراه إلا بعدما يفوت الفوت.

 جلست منكسرة الروح هنا، أنتظر مجهولا،أطالع وجهي في صفحة البحر؛ فيعكس وجه القمر روحي، أتأملني مليا، هل هذه أنا؟

حلمت.. حلمت.. حلمت.. لكنها أحلام زبد تتكسر على صخور الواقع المتقيح بالمحبطات،لا مفر إذن.

فلأسكن القلب محارة ألقيها للموج، وأربت بجناحي المعوق جراحات الروح لعلها يوما تعود بأنفاس جديدة للحياة،تستطيع فيها أن تحب ذاتها أكثر وتفضلها قليلا، ربما لايجد الآخرون بدا من تقديم أفضل ما يملكون لها، مثلما كانت تفعل معهم بالأمس. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s