صاحب الشروط

صاحب الشروط

فردوس عبد الرحمن

الفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر

من كل ما كُتِب لا أحب إلاّ ما كتبه المرء بدمه، اكتب بدمك وستعرف أن الدم روح

( نيتشه )

أتذكر يوم سافرت ابنتي في رحلة وتركتني وحدي في البيت، طوال الوقت كانت نظراتي معلقة بساعة الحائط، أراقب تكتات عقربي الدقائق والثواني. فجأة، وبعد آذان الظهر تقريبًا ظهرت لي.

نعم.. خرجت الجثة الزرقاء من مخبئها وأخذت تنظر صامتة.. تتفرس في عينيّ، وجهي، فمي..ثم مدّت يدها وأمسكت بروحي فأخذت أصرخ، أصرخ..لم يكن هناك أحد ليسمعني.. صاحب الشروط بعيد، وابنتي بعيدة، والأصدقاء ـ جميعًا ـ بعيدون.

بالطبع: أنا أتحدث عن عالمي الداخلي. فلم يكن لديّ أي هلاوس بصرية أو سمعية، لكنه الواقع النفسي الذي أوقن حتى الآن أنه هو الحقيقة الوحيدة التي يعيش بها الإنسان.

يعترض جيمس هيلمان ـ وهو أحد تلاميذ يونج ـويهاجم التصور الذي يقول إن العالم الخيالي للأحلام هو عالم غير واقعي، وإن العالم المعاش للأنا هو العالم الواقعي. فلكي نمسك بالأنا، علينا أن نعلمها كيف تطلق الخيال الذي عن طريقه تستطيع أن ترى في عالم الظلال السفلى. فإذا كانت مهمتنا العلاجية أن نسير إلى الخلف على جسور الأحلام لنعلمها كيف تحلم، فإن علينا أن نعكس هذا الإجراء، أي نترجم الأنا إلى لغة الأحلام، بدلاً من أن نترجم الأحلام إلى لغة الأنا ( تفسير الأحلام ) وهذا يعني أن نطبق على الأنا عمل الحلم فنجعل منها استعارة، فنرى واقعها من خلال ذلك.

هكذا أتكلم دائمًا، وما أتكلم به هو الواقع في عيني.

ـ يا صاحب الشروط.. هل رأيت الجثة قبل ذلك؟

ـ نعم

ـ أأنت الذي دفنتها حين رأيتني؟

ـ نعم

ـ ولماذا أخرجتها لي الآن؟

ـ هي التي خرجت وسكنت روحي بدلاً منكِ.

ـ ألهذا عذّبتني؟

ـ لم أعذبكِ.. أنا الذي كنت أتعذب بموتي وموتك.

ـ ألهذا كنت تشمئز مني في لحظاتنا الحميمية؟

ـ نعم..كانت لها رائحة نتنة.

ـ لماذا لم تقل لي؟

ـ قلت لكِ لكنك لم تفهمي.

ـ وأين هي الآن..هل مازالت في روحي؟

ـ لا.. أنت تركتِها لي ومضيتِ.

هكذا عاش “صاحب الشروط” يعتقد وإلى الآن أنني تركتها له ومضيت.

حين كنت في مرحلتي الجنينية، أي حينما ولدت نفسي، عشت بلا تصورات، وبلا ذاكرة وبلا أي قدرة على تفكير في مستقبل، ولا أبالغ عندما أقول: فقدت القدرة على الكلام.. كنت أجلس أمام مُحدثيّ، لا أجد ما أقوله وما أرد به، كانوا يظنونه خجلًا، أو هدوءً بالغًا، أو رصانة في الشخصية.

الورطة الشديدة أنني أعمل مذيعة وصناعتي الكلام. ماذا أفعل أمام الميكروفون؟ كنت أرتعش جدًا قبل أن أقول:”هنا القاهرة”.

قلت في قصيدة لي:

على المقعد..على المقعد فقط

أنظف أسناني وأسرح شعري وأتفرج على الهواء

 كأنني أصرخ:”أنا مخلوق بلا كلمات”.

كان هذا كل ما يدور في عقلي وقتها، فليس عليّ فعل أي شئ ولا قدرة على أي شئ سوى ما كتبته في القصيدة.. لذا أُصِبت برعب شديد، كنت أزوم وأتشنج داخل البيت لأعلن لابنتي أنني فقدت الكلام، أستغيث بتلميذاتي في الإذاعة ليجلسن مكاني، ويتحدثن بدلًا مني أمام الميكروفون،وكن ينظرن إليّ باندهاش شديد.

لا أحد يعرف أنني فقدت الكلام، وأنني أصحو من نومي لأجد الصباح قاسيًا وصامتًا ووحيدًا.

الساعة أمامي على الحائط تدق، دون أن تنبس بكلمة، مواعين المطبخ راقدة في الحوض تفتح فمها ولا تقول شيئًا، ناس كثيرون يتحدثون في التليفزيون ولا أفهم ماذا يقولون، فأخاف أكثر، حتى قصص برنامجي”على ضفاف الحياة” لم أعد قادرة على حكيها.. أقصد كتابتها.

رعب فوق رعب، تصورت خلاله أنني سوف أفقد عملي، وبالتالي أفقد بيتي، وبالتالي أفقد ابنتي لأنني لن أجد مالًا أُطعمها به.

رعب ذكرني برعب الموت القديم، ولا أعرف إلى الآن هل كان هذا الرعب هو رعب الجنين وهو ينزل من بطن أمه، أم رعب الجثة التي دفنتها، عادت تطاردني من جديد.

وقتها، شرح لي ثلاثة أطباء نفسيين: وقت الرعب الجنيني، والجثة التي خرجت تطاردني، كنت في حالة انتقال، في حالة قيامة جديدة، وكان لابد للموت أن يطل برأسه مرة أخرى لأتذكر، لا حياة إلاّ مع التذكر. النسيان الذي لجأت إليه عند قيامتي الأولى، لم يقض على الموت الداخلي تماماً، وعشت ببعضه.

لي صديق من أطباء النفس، لايعتقد في شئ اسمه “اللاوعي” ويعتبر أن التحليل النفسي وكل ذلك المجاز الذي نتكلم به عن عالم الروح من خرافات العلم القديمة، ومع ذلك عندما شرحت له ذلك الرعب الذي وقعت فيه قال لي: إنك اقتربتِ من مرحلة الشفاء، أو شُفيتِ بالفعل لأن مراكز التذكر في المخ قد نشطت، وهذا دليل على الصحة النفسية أو النشاط النفسي. أما معلمي الروحي والذي يعتقد مثلي بأن الواقع النفسي هو الحقيقة التي يعيش بها الإنسان فرأى أن تذكري لهذا الموت القديم هو وسيلتي الأكيدة للالتحام بالماضي، لالتئام أجزائي المبعثرة، للتصالح مع ذاتي، لدبيب الروح في جسدي. نعم رآها ـ أيضًا ـ مرحلة شفاء.

إذن لماذا اعتقد (صاحب الشروط) أنني تركت الجثة له ومضيت؟ مع أن قيامتي الأولى كانت على يديه، فصرت أعمل وأربي ابنتي من جديد وأزور الأصدقاء وأشعر بالعالم. لكنني كنت أصدقه دائمًا، فعندما يقول لي: أنت (ميدوسا) أنام وأحلم بثعابين تخرج من شعري، وعندما يقول: أنتِ (وحش) سوف تأكلين ابنتك كما تأكلينني..أحلم أنني نصف امرأة- نصف وحش. وبعد اللحظات الحميمية بيننا يبرر اشمئزازه بأنني (رجل ممسوخ) فأحلم في نفس اليوم أن شعرًا ينمو على صدري.

كلماته دائماً تسقط في أعماقي وأسمع لها دويًا، وبرغم أنني حاولت الانتقام منه كثيرًا وعريت له جميع جروحه، وعكفت سنتين على دراسة (البرانويا) ومعرفة سر تلك الشروط التي يعيش بها في الحياة وآليات تعامله مع الآخرين وأهمها الإسقاط.. الإسقاط هو: أن يلقي ما بداخله من تشوهات على الآخرين..فعندما يقول: “أنت وحش” أعرفأنه يتكلم عن ذلك الوحش بداخله، يرى مخالبه التي ينبشها في صدور الآخرين وصدري. وعندما يقول: “أنت رجل ممسوخ” أعرف أن ذلك هو المسخ الداخلي الذي يعذبه طوال حياته، وعندما يثور على تلك الفوضى التي أحدثها في البيت فهو يعاني من بعثرة الداخل لديه، وعندما يمشي ورائي في البيت ليتشمم الروائح التي خلفتها في المكان بما فيها الحمام، أعرف أن تلك الروائح الكريهة التي يلتقطها هي النجاسة القابعة بداخله..هكذا يقول التحليل النفسي عن صاحب الوسواس القهري. أو صاحب الشروط: لديه وسواس قهري عظيم.

تلك المعرفة العقلية لم تنقذ العلاقة بيننا، ولم تفيدني إلاّ في كتابة تلك القصة “الرجل المقيم في رأسه” والتي عرضتها ـ أيضًاـ في برنامجي”على ضفاف الحياة”. و كانت عبارة عن ديالوج بين عالمه الداخلي وبين مشاعري الجريحة:

الرجل المقيم في رأسه

“ـ أحاول أن أراجع نفسى من أجلها، أعتذر لها عما أسببه من ألم، ولكن ما الفائدة؟. إنها لا تشعر بمخاوفي التي تضاعفها بلامبالاتها.. أتخيلها كثيرًا مدهوسة تحت عربة ما .. أرتاع من مشيتها المتعثرة وشرودها المتواصل .. أصرخ فى وجهها كى تفيق .. أرتعب من فكرة موتها .. هذه الفكرة تطاردنى مذ أحببتها .. لكنها تغضب، تضربنى بكلماتها اللاذعة فأنهمر عليها كسيل غاضب.. لو سكتت قليلًا لتوقف وحده، ولكنها لا تسكت، وتظل تضرب على العصب المكشوف.

ـ أخيرًا نبتت لي أظافر مدببة.. أستطيع أن أغرسها في لحمه كلما انفجر في وجهى هكذا. قلت له: إنه عاجز عن الفعل والحركة والحياة.. قلت له : إن الضوء والهواء من الأشياء البديهية التى تجعله مرئيًا ومسموعًا .. لذلك فهو يغلق الشرفة والنوافذ. ذكّرته بما كان يفعل فى السنة الأولى من زواجنا، عندما كنت أستيقظ فى منتصف نومي على ألوان من الشتائم يصبها على نفسه وعلىّ، دون أن أدري ماذا حدث ثم سرعان ما أدرك أن ساقي أو ذراعي قد استلقيا فى غفوة منى على جزء من جسده. عندما ضقت بكل هذا، كشفت له عن أسباب عجزه، ويبدو أن كلماتى أحدثت جروحًا فى روحه.

ـ أنا الذى فعلتها فى نفسى وخطوت فى عتمتها المرعبة لأصل الى اللاشئ.. أين ذهبت طفلتى الطيبة التى قابلتها منذ سنوات، ومتى ظهرت لها تلك الأنياب التى تمتص دمائى وتفرغنى من الحياة ؟.. كيف تصورتها قطة بائسة لا تحتاج سوى الدفء.. فاذا بها عرق الجنون الذى يلتهم رأسى.. إنها غلطتي أنا، ولا ألوم أحدًا عليها. فالآخر هو جحيمي.. هو اللعنة الأبدية التي تمسك بأنفي.. ولكنى سأصلح ما تحاول هدمه.. عشت خمسين عامًا دون أن أتلوث، وتعبت كثيرًا حتى أؤهل عقلي لما أنا قادم عليه، ولن أسمح لها أن تقوّض عالمي، وتقضي على مشروعي الفكري. 

ـ أنفه هذا اللعين الذى يندس فى أشياء العالم، ويلتقط منها الروائح الكريهة فقط.. بتُّ أشعر أنه يطاردني كالوهم.. حين يبدأ في التقاط الفوضى المختبئة في أحد أركان البيت.. العالم الحي لايخلو من الفوضى، النظام هو الموت.. وأنا لست بميتة.. إنني أتحرك.. أتنفس، أعبث بأشيائي كيفما أريد.. لكن رأسه المفخخة.. سوف تنفجر في وجهي كالعادة، والكيماويات الحارقة التى تندلق من فمه أثُناء تناوله للطعام سوف تحرق روحى.. لذلك أتركه يأكل وحده، كما تركته قبل ذلك ينام وحده. 

ـ ليتها تقدّر وحدتي وتفهم بؤسي.. هذه المعتوهة تطالبني بما لا أملكه، الحياة .. الحياة !! وهل خبّأت عنها الحياة؟ لقد منحتها الحرية كاملة.. فلتذهب كيفما تشاء وتعود وقتما تريد.. ليس عليها بالفعل أن تجلس على أعتاب ورطتي الفكرية، وليس لها أن تنتظر مجدًا لا أنتظره أنا نفسي.. سوف يأتي فيما بعد.. ربما بعد أن تنتهي حياتي وحياتها.. إنه للأجيال القادمة. ليتها تصدق أنني أصنّعه للأجيال القادمة.

ـ كنت ُدائمًا في حاجة إلى بهجات صغيرة.. تنازلت عن كل شئ في سبيل بهجة صغيرة.. أعلم أن هذا الرجل المقيم فى رأسه لن يمنحني ندعة منها.. لكنه العيد!! أرجوك يارفيقي كن سعيدًا حتى أبتهج ولو قليلًا.. سماؤك مزركشة بالعناكب وأنا أريد أن أفتح الأبواب والشرفات والنوافذ كي يدخل العيد.

يبدأ صوته في الارتفاع، صوته يدق على رأسها كمطرقة، فى الصباح سوف تجمع حاجياتها وتسافر إلى إخوتها وتتركه وحيدًا، تحت العناكب وحيدًا.. ضميرها يعذبها.. ستترك له كل ماتبقى لديها من نقود.

****

.. تنظر من نافذة البيجو.. على الطريق الصحراوي تتطاير بهجاتها الصغيرة وتحتقن عروقها بالندم.. تمسك بالموبايل.. جرس طويل ولا أحد، لعله نائم.. لن يصحو قبل المساء.. المسكين سوف يصحو وحيدًا ليقول للعيد: كم أنا وحيد!!لوكان بإمكانها أن تعود إليه الآن..فورًا، ليفتح عينيه، ويراها أمامه ممسكة بأزهار العيد؟ لماذا هربتْ وتركته لسجائره ووحدته، وتمادت في القسوة إلى هذا الحد؟ هل تجمد قلبها، هل فرغ صدرها من المشاعر؟ تمسك بالموبايل مرة أخرى.. آه!!، إنه يتصل!!

ـ هل وصلت؟

_مازلت في الطريق.. كل سنة وأنت طيب. 

_وانت طيبة .. لماذا؟!

.. ينطفيء الندم. إنه رجل بلا زمن. سوف تستدعى بهجاتها الصغيرة وحدها مرة أخرى.

البيجو ينهب الطريق الصحراوي بحثًا عن العيد”.

 ****

هكذا وبرغم تلك الجروح والآلام لم أفقد تشبثي به وإيماني بعبقريته من يوم أن قابلته وإلى الآن، مازلتُ أصدقه وأغوص في أفكاره العميقة.. فلا أحد يستطيع أن يكون بذلك العمق وتلك الأصالة الفكرية والصدق الإنساني مثل “صاحب الشروط” مازلنا أصدقاء.. يرضى بما أكتبه عنه مهما عذبه، لأنه يصدق أنني أبحث عن الحقيقة، إن كان ثمة حقيقة أصلًا. وأرضى بما يتهمني به من أنني حاملة الجثة التي ألقيتها عليه.. لأنني أصدقه لا أكثر، بصرف النظر عن الحقيقة. 

 ما سر تلك العلاقة الروحية التي لا تنتهي بيننا برغم انتهائها واقعيًا على يد المأذون؟ نعم انفصلنا، ولكننا بقينا صديقين. 

إن الوجود العدمي الذي كنته أو ربما ما زلت فيه.. وجود ليس له جدران تحميه، لم تترسم حدوده بعد ولم تُصقل، وجود يضيع من صاحبه بسهولة إن تعرض لبعض الضغط والإحباط، وجود يعتذر عن نفسه باستمرار، وجود ليس له يدان يأخذ بهما حقه في الحياة ويرى الآخرين أولى منه بها.. فهكذا كانت خادمتي تسرقني وأخجل من مواجهتها، حتى عندما كسبت قضايا النفقة على زوجي الأول وكان مدينًا لي فيها بقائمة الزوجية وبالذهب الذي سلبه مني فتنازلت عنها بمنتهى البساطة ودون أي مقابل، وجود تضيع حقوقه وحقوق من هو مسئول عنه.. ابنتي.

هذا الوجود الهش ذو الحوائط الرقيقة التي لا تحميه من عواصف وبرد الحياة، يحيا دائمًا في عوالمه المثالية وقيمه النبيلة، يجد مبررات لضياع حقوقه بالتصوف أو الزهد أحيانًا.ً

أما (صاحب الشروط) فله وجود من نوع آخر تمامًا. فجدرانه سميكة، أو أنه يحيط نفسه بإطار حديدي صلب، مصقول ولامع ليكون على مسافة من الآخرين الذين يرتاب فيهم جميعًا. هذا الوجود له شروط صارمة في الحياةن ولا يتنازل عن حقوقه لأنه أولى من الآخرين بالوجود، حيث الآخرون لا يستحقون العيش لترهلهم وغبائهم، فهم إما صراصير أو ذئاب كما كان يصفهم أمامي دائمًا.

صاحب الشروط.. أيضاً ذو قيم نبيلة، وأفكار كبرى وثقافة واسعة،عقل فلسفي بامتياز، قدرة على التحليل والتفكيك والبناء والربط ليس لها مثيل، صدق إنساني، أخلاق رفيعة، يجبرك على التعاطف معه وتبجيله مهما استعلى. أتذكر تشيكوف في قصته (الجناح رقم ستة) وهو يصف ذلك النوع من خلال شخصية (إيفان ديمتريتش) المريض بعقدة لاضطهاد (البرانويا) يقول تشيكوف:

“إني أحب وجهه العريض الشاحب التعس بوجنتيه البارزتين, ذلك الوجه الذي يعكس نفسًا أضناها الصراع و الخوف المستمران ولا تخلو تقلصات وجهه العارضة من غرابة و شذوذ، و لكن الخطوط الدقيقة التي رسمها الألم العميق الأصيل على هذا الوجه تدل على شدة الحساسية وحدة الذكاء, أما عيناه فينبعث منهما شعاع دافىء, إني أحب هذا الرجل لأنه مهذب دائمًا, رحيم دائمًا, مبجل من الجميع، فإذا سقط زرار أو ملعقة أو شيء آخر من شخص ما, هب من فراشه و التقطه ليرده إلى صاحبه, و إذا استيقظ من نومه ألقى على زملائه تحية الصباح, و إذا أوى إلى فراشه تمنى لهم ليلة سعيدة “

يا الله!! توصل تشيكوف إلى صاحب الشروط وأحبه واكتشف أيضا النوع الآخر الذي ينجذب إليه و يظل يدور في فلكه, يحوم حول حدوده الحديدية الصلبة حتى لو أدى ذلك في النهاية إلى حتفه, فالطبيب (أندريه بيفيميتش) صاحب الوجود العدمي, المعتذر دائمًا عن وجوده, حتى أنه لا يقوى على طلب الشاي من خادمته, ذو النزعة المثالية و الأفكار الكبرى و العميقة يظل يدور حول صاحب الشروط، أقصد (إيفان ديميتريتش) المريض بعقدة الإضطهاد ” البرانويا ” ويحاول الإلتصاق به دائمًا و تضيع منه الساعات و الليالي في جلسات الحوار معه.. هذا الطبيب في نهاية القصة يتهم بالجنون كما اتهمنى طبيبي لأني مكثت مع “صاحب الشروط “سبع سنوات, و تنتهي قصة (الجناح رقم 6) بإيداع الطبيب أندريه المصح العقلي بجوار مريضه إيفان ليموت كمدًا في صباح اليوم التالي. كان من الممكن، أن حياتي مع صاحب الشروط، تنتهي إلى نفس ما انتهى إليه أندرية بيفيميتش. 

..إلى هذا الحد ينجذب صاحب الوجود العدمي إلى صاحب الشروط.

ولكن هل “صاحب الشروط” أيضًا ينجذب بنفس القوة إلى الوجود العدمي؟

كان ماء الروح يسيل منها على الوسادة

لذلك سقطت أشياؤها المهمة على الأرض

مثل مطرقة

ولم تنتبه

هكذا أمسكت بالوجع اللانهائي حين التقيت (صاحب الشروط) وعلمت أشياء عن الموت الذي كان والذي ظلّ يأتيني وأنا معه.

أمسكت بروح الموت وعرفت مواعيد وصوله حين كان (صاحب الشروط )

يغلق الكون ويشدّ السماء تحته وينام

هكذا في ديواني الأول “هنا مقعد فقط” دخلت حجرة التحليل النفسي لأمسك بالأوجاع جميعها. كان (صاحب الشروط) يدفعني دفعًا لدخول تلك الحجرة، يشجعني باستمرار على الذهاب إلى ورشة (السايكو دراما) حتى عندما كنت أعود إليه ببعض المعلومات عن تركيبته الشخصية، لم يهدده ذهابي إلى (السايكو دراما) الذي كان يطلعني على أسراره، مع أن مقتل تلك لبارانويهو أن تراه من الداخل.

كيف سمح لي بهذا وتركني أوغل في أحشائه وأرى ما يخبئه حتى عن نفسه ؟ هل اطمأن لي إلى هذه الدرجة؟ هل اتخذني أمّاً حقيقية أستطيع أن أطلع على عوراته دون خجل أو ارتعاب .. ربما لهذا حرّمني على نفسه، وتعلل بأسباب غير منطقية وهواجس فيما يخصّ جسدي؟ فكرت في هذا.. كثيرًا كان يخطئ في مناداتي عندما نتشاجر معا أو يحتد بيننا نقاش، كان ياديني: يا أمَّه. 

حكت لي أخته أنه كان كثير الشجار مع أمِّه، وبالرغم من ذلك سامحته وهي على فراش الموت.. كانت تدرك مأساته، لا أحد يرى أحدًا من الداخل أكثر من الأم، تفعل هذا بحسها الأمومي.. لذلك كان يُصدم إذا أضمرت له الغضب وفاجأته به أحيانًا، كان يتهمني بالغدر.

..صرخت في وجهه كثيرًا: لستُ أُمّك.. لست أُمّك. ولكن يبدو أن صرخاتي ذهبت هباءً، فما زال يعتقد في أمومتي له حتى بعد انفصالنا.عندما لاحظ اهتمامي بالرجل الذي ( من لحم ودم ) ذهب إليه، وطالبه برعايتي، بحمايتي واحتوائي، قال له: لا أحد يعرفها مثلي، ولا أحد يخاف عليها مثلي، لذلك أنا لا آمن عليها مع أحد سواك.

كان هذا مربكًا للرجل الذي “من لحم ودم” شعر ببعض الغيرة، منه ومع ذلك صدقه.. وإلى الآن يحل الشجار الذي ينشأ بيني وبين (صاحب الشروط) أحياناً. ألم أقل إن الأرضي الذي (من لحم ودم) يعرف جميع الأسرار!!

في جمعة الغضب، يوم الثامن والعشرين من يناير 2011، أخذني الرجل الذي (من لحم ودم) أنا وابنتي إلى بيته وسط أولاده وأصدقائه خوفًا علينا، حيث كان قسم البوليس الذي بجوار بيتي يحترق.. في نفس التوقيت كان (صاحب الشروط) والذي يسكن بعيدًا عني، يرتعب من فكرة أنني وابنتي وحيدتين في بيت بجوار قسم بوليس يحترق.. خرج وسط الغاز المسيّل للدموع، وأثناء ضرب الرصاص، وتكسير وسرقة المحلات والعربات، وخلاء الطرق إلاّ من اللصوص.

صاحب الشروط الذي يرتعب من النار، والتي كانت في هذا التوقيت تشتعل في كل مكان. صاحب الشروط الذي كان يشمئزّ من العفار والتراب إن تجمّع أحياناً على حذائه.. يخرج وسط كل هذا ويركب تاكسي دون أن يعرف بدقة مكان بيتي، يقطع المسافات الطويلة ويقف في الميدان الذي أسكن فيه وينادي بصوت ضاع في الدخان وأصوات القنابل والرصاص :يا فردووووووووس!!!

لايجدني بالطبع ويعود أدراجه مخاطرًا بحياته مرة أخرى ويطمئن نفسه بشئ وحيد..بأن الرجل الذي من لحم ودم،مسؤول عني، ولابد أنه يشملني الآن برعايته كما أوصاه. 

هل يمكن أن أفسر هذا بالعقل؟ أليس من حقي كما ذكرت في بداية الكتاب أن ألجأ إلى (الميتافيزيقا)، أن أذهب إلى (الماوراء)؟ً

ذكرت قصة تشيكوف “الجناح رقم 6 ” وكيف أن الوجود العدمي ينجذب بقوة الموت إلى الوجود الباراناوي (صاحب الشروط) وهكذا فسرت ارتباطي به والذي ما زال، أما الآن فأستطيع أن أعثر على مالم أجده في قصة تشيكوف.. فالوجود الباراناوي ينجذب أيضًا إلى الوجود العدمي بقوة الموت..كاد “صاحب الشروط” أن يُقتل وهو يبحث عني. لماذا؟ يسعى “صاحب الشروط” إلى العدم ليحقق ألوهيته؟ لماذا يضع نفسه على حافة الموت؟

 لأنه احتياج وجودي أيضاً.. فبدون العدم لا قيمة للإله، فلو أن الوجودقائم بذاته فما حاجته إلى إله؟ ..لقد فُتِن “صاحب الشروط” بموتي وإن ادّعى غير ذلك.. رأى ألوهيته تنتصب حين خلق من ذلك العدم عقلًا يضاهي عقله. هكذا يفخر الإله بالإنسان وحده دون سائر مخلوقاته لأنه امتلك عقلًا يضاهي عقله، امتلك القدرة على الخلق والتركيب والاكتشاف وصناعة المصير.. مازال “صاحب الشروط” يقف وراء عقلي بكل ما أوتي من قوة عقلية وثقافة عميقة، مازال يخشى عليّ.. الموت الفيزيقي والنفسي أيضاً.. إنه يغفر لي كل ما كتبته عنه هنا، ذلك الكشف الجارح الذي أمارسه معه.. أملًا منهأن أمسك بموتي وأعرف سره فلا أقع فيه مرةً أخرى.

أعتقد أن موتي يهدد “صاحب الشروط” .. فلو تغلّب عليَّ ذلك الموت وابتلعني سوف يفقد “صاحب الشروط” ألوهيته إلى الأبد.. فما من أحد آمن به مثلي، وما من أحد جسّد خلقه العقلي مثلي، وما من أحد غاص في سره مثلي.

 حين نرى بعضنا من الداخل نتعاشق حتى الموت.. هذا سر أيضاً من أسرار العلاقات الإنسانية ، من أسرار الحب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s