بنت ناس

بنت ناس

حنان عبد القادر 

اللوحة: الفنان الهولندي رمبـرانــدت

صرير الباب يعلن عن قدومه، خشخشة المفاتيح وهو يعلقها في مشجبها خلف الباب تزيد توتري، خطواته غير المنتظمة إلى غرفتنا تشعل خوفي، تتصارع خفقات قلبي إلى منتهاها، أدس وجهي في وثير الغطاء، أحاول جاهدة أن أنظم تنفسي كي أبدو في سبات عميق لكن جسدي يرتعش، كل ذرة في جلدي تتحسب للمسته، تذكرني بفوبيا كانت تلازمني من الحقن، كنت أستشعر الثانية التي تدخل فيها الإبرة مخترقة طبقات جلدي نافذة إلى عضلاتي بالبطيء وكأنها فيلم رعب ثم تتغشاني بعدها رعشة وأغيب عن الوعي.

مترنحا كالعادة، يتخبط في ثنايا الغرفة مصدرا جلبته الليلية، يا إلهي، متى ترحمني من هذا السكير، ماعاد في صبري صبر يا الله، يجلس على حافة السرير، يزوم كالزومبي فيرتعد قلبي، يمد كفه الميتة كسحابة سوداء تهبط على ظهري، يصيح بصوت حديدي: أنت يا.. صفية، قومي ياامرأة أما تشبعين من النوم؟ أتمنى أن أعود يوما فأجدك في انتظاري مثل كل الزوجات، تربتين علي وتأخذيني في أحضانك، ألا تشتاقين لي؟ يقترب مني فتنتثر رائحته النتنة متغلغلة في رئتي، كرد فعل طبيعي أدفعه بعيدا: أتمنى أن تأتيني يوما غير مخمور. 

يلقي بجسده البدين فيئن السرير من ثقله، أتشبث بغطائي متوسلة إلى الله ألا نبدأ الموشح المحفوظ إياه، يغرس كوعه في ظهري يهزني، يصيح: يا إسم ليس على مسمى انهضي، يرفسني برجله فأهب جالسة: ماذا تريد؟ 

  • أريد فنجانا من القهوة، القهوة المغلية يا امرأة، القهوة المرة المغلية، فهمت؟
  • تريد قهوة مغلية في الفجر؟ ولم لم تشربها عند من كنت معهم؟ 
  • يركلني برجله فاسقط أرضا: قلت لك انهضي واصنعي لي القهوة يا…..
  • احفظ لسانك وكفاك إهانات.

أنهض بقرف متجهة إلى المطبخ، أحضر القهوة وأضعها على الموقد، ذراعان من حديد تقبضان علي، أحاول التخلص من قبضته دون جدوى، أصرخ: دعني، يجرني، أقاوم، يلطمني، يقهقه عاليا: أحبك شرسة كنمرة، يلكمنى بعشوائية كغريم حتى خارت قواي، أسقطت على الأرض يواسيني أنيني، فينقض على جسدي المنهك يفترسه متلذذا بينما تسري في روحي نبضات موت بطيء.

مذ طرقتُ أبواب الأنوثة، ولا حديث لنساء العائلة إلا عن سترة البنات ،الزواج المبكر هو الاستقرار والمأوى، ولا ملاذ للبنت ولا مآل لها إلا بيت الزوجية الذي تنعم فيه بحضن زوج يحبها ويرعاها، تعيش في كنفه خادمة له، والوصايا العشر: كوني له أمة يكن لك عبدا، احرصي ألا يشتم منك إلا كل طيب، رضا الرب من رضا الزوج وووو..الخ.

العيون تخترق وجهي الأملح وبسمة خجلى تزينه، ثوبي الوردي الذي يبرز شيئا من مفاتني وجديلتي الطويلة محط إشادة النساء، همسات تتبعها بسمات، زغاريد تنطلق في الخارج ومباركات الرجال لبعضهم واتفاق على الزفاف بعد أيام، قلبي يزقزق كعصفور، يتملكني الخوف من الحياة الجديدة لكني أحلم بالاستقلال والعيش في كنف زوج يشعرني بالأمان. 

في ” الكوشة ” يجلس مختالا بضخامته وأتيه بالفستان الأبيض، ذلك الفستان الذي تلوث بالأحمر والإهانة في الليلة الأولى، احتضنني سرير أبيض في مشفى المدينة بدلا من سرير العروس، الطبيب يهمس في أذن المجرم ثم يقهقهان، أعود مكسورة يملؤني رعبي، دموع أمي لم تمنع أبي من إطلاق تهديداته: بنت الناس الأصيلة تحفظ زوجها ولا تفشي سره، وإذا خرجت من بيت أهلها لبيت زوجها فلا خروج لها منه إلا للقبر.

 وقبري الذي امتلأ بصنوف التعذيب قد ضاق بي وضقت به لكنه يرفض أن يلفظني.

وقّعت محضر وفاتي منذ ثلاث سنوات قررت فيها أن أنسى إلحاح الأمومة، فكيف لجسد منتهك ملوث أن يحمل البراءة؟

استسلمت لقدري، حتى هزتي من غيبوبتي صحوة مفاجئة، حامل؟ غير معقول! كيف حدث؟ ركضت إلى بيت العائلة أستغيث، هذا الجنين لا أريده، كيف سيواجه تلك الحياة مع أب كهذا؟ مستحيل.

الكل يصبرني، يلوحون لي بالأمل في التغيير وصلاح الحال بعد وجود العيال، قلبي وحده لا يكذبني، لم يكد يسمع حتى انهال علي ضربا: ليس مني، من أين أتيت به يا…؟ 

  • إخرس ! لعنة الله عليك ما تستحقه.
  • لن أدعك تفرحين به، وتلصقين بي العار. 

 فررت لحضن الأهل عله يكون سكني، عيون أبي النارية اخترقتني وصوته سهام: نحن مثل النصارى ليس لدينا طلاق، عودي لبيتك قبل أن يفطن لغيابك، واهتمي بنعمة الله التي وهبك إياها بعد صبر، وأحسني عشرته فقد أصبحت أم عياله.

الطريق غائم، أخدودين حفرتهما دموعي فوق الوجنتين، لامفر منه إذن ولم أعد وحيدة، كائن نوراني يتأهب للخروج وهو لايعلم ماذا ينتظره، الموت لكلينا أكرم من حياة.

 دلفت إلى القبر ورائحة الموت تعبقه، اتجهت مساقة بأفكاري إلى المطبخ: ماحك جلدك مثل ظفرك، إن لم يساعدني أهلي فلتساعدني حيلتي، حملتها بين يدي أقلبها ذات اليمين وذات الشمال، تلك التي قطعت جديلتي الصهباء في ليلة سوداء لا أنساها، قررت أن أزينها الليلة بشريط وردي لون براءتي الأولى، ستكون رفيقتي في صراع الليلة علها تكفر لي عن ذنب اقترفته في حقي بيد السكير السادي.

لم يتبق على وصوله غير ساعتين، سأحقق له آخر أمنياته، اليوم سأنتظره كزوجة مثالية، أوقد له الشموع وأطلق البخور، وأتعطر بأحب عطوري إلي، سأصنع له الكيك الذي تمنيت يوما أن أصنعه بالحب لكنه حرمني من صنعه حتى بالكراهية، اليوم سأكون مختلفة، اليوم هو يوم زفافي.

خشخشة المفاتيح تشي بقدومه، صرير الباب، وقع أقدامه المتلعثم، يتجه صوب الغرفة، طبول تدق في صدري، أحاول إسكاتها دون جدوى، تمالكت خوفي ووقفت في استقباله، تسمر عند الباب، فرك عينيه ثم عاود النظر: صفية؟ أهذه أنت؟ أشاح بوجهه محادثا نفسه: أوه أنت تحلم يارجل، باغته صوتي المرتعش: بل حقيقة، أليس هذا ما تمنيت؟ 

  • لا أصدق، كأني أراك للمرة الأولى، أين كنت تختبئين؟
  • خلف غشاوة عينيك فما استطعت أن تراني.
  • وماذا تخبئين لي هنا في هذا البطن؟

مد يدا مرتعشة إلي، هممت بصدها لكني تركته يتلمسني، احتضن كفي ووضع عليها قبلة، غريب ألا يغزوني التقزز فأتقبلها، والأغرب أن يترك لي نفسه أسوقه إلى الطاولة في البهو الصغير حيث قررت الاحتفاء به، صببت بعض الشاي، وقدمت له السكين ذات الزينة الوردية وقلت: اقطع ما يحلو لك من الكيك، نظر إلي في دهشة ثم قال: كيكة التوت؟ لا ألتهم إلا قلبها، ارتجف قلبي: خذه إذن، قال أتوافقين؟ قلت هي أمامك فافعل.

غرس السكين بعنف في صدر الكيك، ورمقني بعينين ملتهبتين جائعتين فارتعدت فرائصي، تريدين خداعي بمظهرك الناعم كحية؟ أعرف أنك تمقتين وجهي، تتمنين موتي، أعرف، لكن هيهات لك، أنا الذي سيقتلك كمدا عندما أقتل تلك الأفعى التي تحملينها، سأستمتع بك وأنت تذوبين كشمعاتك، وسأقطع منك ما اشتهيت، ألتهمك متى شئت وبالطريقة التي تثيرني، وأنا لا أعشقك إلا مشاكسة كهرة برية، مراوغة كغزالة تفر من قناصها، والمتعة جائزة الافتراس.

هب من مكانه يخور كالثور محكما قبضته على ذراعي، جذبني إليه في قوة، في لحظة خاطفة استللت السكين، ألقاني بكل قوته أرضا وأخذ يركلني بكلتا رجليه في بطني وأنا أتكورعلى حقدي، لما ألقى بجسده البدين فوقي، قَبَّلَته اللامعة برباطها الوردي مستقرة في قلبه، أخذ الأبيض الذي أرتديه يحتسي ما اشتهاه من الأحمر.      

   

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s