المهندس المطلق

المهندس المطلق

د. جيفري سيمونز

ترجمة: حانة الشعراء

اللوحة: الفنان الإسباني سلفادور دالي

إنه لأمر مدهش أن نعرف كيف تراقب أجسادنا العديد من الآليات الداخلية بصمت، وفي كل ثانية من حياتنا. هذه الآليات تستوعب تلقائيًا كل ما نقوم به، وعند الفحص الدقيق لهذه العمليات المعقدة المحيرة للعقل، يمكن للمرء أن يرى دليلًا على روعة التصميم والغرض والبصيرة.

خذ نبضات قلوبنا مثلا؛ تبدأ خلايا القلب في التكون في الأسبوع الثالث من الحمل، وقبل ذلك تتكون الخلايا التي تصنع خلايا القلب، كل هذه الخلايا تتبع المخططات البيولوجية التي يمليها (DNA)، وفي الأسبوع الثامن من عمر الجنين تتكون الدورة الدموية، وتتكون الرئتين وكذلك الكلى والكبد والمعدة، ومع القليل من الدعم في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، يمكن للطفل الخديج أن يبقى على قيد الحياة في عمر 22 أسبوعًا.

بمجرد أن نولد، يضخ الجانب الأيمن من القلب في نفس الوقت الدم “الأزرق” إلى الرئتين لإخراج ثاني أكسيد الكربون والتقاط الأكسجين، بينما يضخ الجانب الأيسر الدم “الأحمر” إلى الجسم لتوصيل الأكسجين وتجميع ثاني أكسيد الكربون. 

هذا العضو العضلي، الذي هو أكبر قليلاً من قبضة الرجل، متين بشكل لا يصدق. إنه يضخ من اثنين إلى ثلاثة مليار مرة في حياة الإنسان، ينمو بما يتناسب مع نمو الشخص ويصلح نفسه بنفسه أثناء عمله، ومع ذلك، فإن حياتنا هشة للغاية؛ فتوقف القلب لمدة أربع ثوانٍ فقط قد يرسل الشخص إلى قبره.

إذا مارسنا الرياضة، فإن نبضات قلوبنا تتسارع بما يتناسب مع العمل الذي نقوم به، ويتكيف مع نشاط الفرد. تخيل مدى صعوبة الحياة إذا لم يتكيف معدل ضربات القلب مع متطلبات حياة الشخص. 

يتم إيصال المزيد من الدم إلى الجسم أثناء المرض وأثناء ممارسة الرياضة، وأقل من ذلك عند الراحة، وينتقل الدم إلى المعدة عندما نأكل، كما ينتقل إلى عضلات الساق عندما نجري، ويستوفي جميع مطالب الجسد طوال الوقت، كما يتلقى الدماغ الدم الذي يحتاجه.

جهاز تنظيم ضربات القلب مثير للاهتمام. فهو عبارة عن خلايا متخصصة ترسل إشارات كهربائية إلى أسفل مركز القلب، كل ثانية (في المتوسط). إذا فشلت هذه الخلايا، فإن جهاز آخر لتنظيم ضربات القلب يتولى المهمة، وإذا فشل الثاني، فإن جهاز تنظيم ضربات القلب الثالث المحدود – إلى حد ما – يتولى المهمة.

نستنشق الهواء “الجيد” (الأكسجين) ونخرج الهواء “السيئ” (ثاني أكسيد الكربون) حوالي نصف مليار مرة في العمر.. تقريبًا كل هذا يحدث تلقائيًا. 

الخلايا الموجودة في الدماغ، وعلى طول شرايين معينة تقوم بمراقبة تركيزات ثاني أكسيد الكربون والأكسجين في الدم؛ ويتم إرسال رسائل إلى الرئتين والدماغ للتكيف مع تسريع/ إبطاء أو استنشاق كميات أكبر من الهواء. تعرف رئتيك خطتك قبل بدء الجري بجزء من الثانية، ولا تُظهر هذه الإجراءات البصيرة والتخطيط فحسب، بل تُظهر أيضًا هندسة ميكانيكية هادفة.

هل كان بإمكان الجنس البشري البقاء على قيد الحياة إذا لزم علينا التفكير في كل نفس نأخذه؟ يتم الشهيق والزفير كل أربع إلى خمس ثوان، كل يوم، وطوال الليل، بدون ذلك لن ننجو، لن نكون قادرين على النوم، سيتعين علينا أيضًا القيام بالتنظيم الذاتي باستمرار لمدى السرعة والبطء، العمق أو الضحالة، التي نحتاجها للتنفس عند الركض أو الجدال أو ممارسة الحب أو النوم أو مقاومة العدوى. 

إذا كان على الشخص أن يفكر في كل نفس، فلن يكون لديه الوقت للتفكير في أي شيء آخر، فمثل العديد من العمليات الأخرى داخل أجسامنا، يكون التنفس تلقائيًا.

كما نعتمد على كمية المياه التي نتناولها والتي تبلغ حوالي 3.7 لتر للرجال و 2.7 لتر للنساء يومياً؛ بدون هذا لماء، يمكن للقليل منا أن يعيش أكثر من أربعة أيام، خاصة في الظروف الحارة أو الجافة. إن الخلايا المتخصصة تراقب باستمرار درجة رطوبة أجسامنا وتخبر بصمت الأجزاء المسؤولة في الجسم عن تحفيزنا لشرب الماء. جفاف الفم هو مجرد إشارة من عدة إشارات. انخفاض ضغط الدم وخفة الرأس من الإشارات الأخرى. إنها البصيرة والتخطيط.

الآليات الأخرى التي تبقينا على قيد الحياة تشمل الجوع.. تخيل أنك لا تعرف متى يحتاج جسمك للغذاء؛ لا إحساس بالجوع، لا رغبة؟ تخبر الهرمونات أجسامنا بشكل لا شعوري عندما يحين وقت الأكل، وتخبرنا هرمونات أخرى متى يجب أن نتوقف، وكلما كنا جائعين، كان مذاق الطعام أفضل، الطعام “السيء” يخضع لاختبار حاسة الشم فيسبب لنا القيء أو الإسهال للتخلص منه.

تنص قاعدة (4-4-4) على أننا سنهلك بدون أكسجين لمدة أربع دقائق، وبدون ماء لمدة أربعة أيام، وبدون طعام لمدة أربعة أسابيع، وتخبرنا الأنظمة المعقدة أننا بحاجة إلى النوم، وتخبرنا أنظمة أخرى متى يجب أن نستيقظ، ويتم الحفاظ على درجات حرارة أجسامنا من خلال العديد من منظمات الحرارة الداخلية، يا له من نظام رائع!.

كل واحد منا هو آلة بيولوجية متكاملة شديدة التعقيد، تعمل بصمت، تأتلف المليارات من الأجزاء معًا وتعمل بالترتيب الصحيح وفي الوقت المناسب وبالطرق الصحيحة في أجزاء من الثانية، ومع ذلك فإن جميع الإشارات هادئة وتحت السيطرة.. إنها جميعًا تتبع خطة المهندس.


جيفري سيمونز طبيب ومؤلف لعدد من الكتب العلمية. حصل على بكالوريوس في علم الأحياء من جامعة إلينوي وحصل على دكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة إلينوي. متخصص في الطب الباطني وطب الكوارث.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s