التقرير

التقرير

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الإسباني سوريا دياز

كان هذه العائلة قد طلبت هذا الموعد، شكلاً بدافع طبيٍّ وحقيقةً بدافع حياتيّ.

هو يذكر جيّدًا ليلة السّبت الماضي حين أيقظته طبيبة الطّوارئ قبل بزوغ شمس الفجر:

  • مريضتك في الطّوارئ منذ ربع ساعةٍ تقريبًا، وقد استيقظ عليها والداها وهي تنتفض في سريرها، وعندما سعيا لإعطائها حقنة الفاليوم في المخرج اكتشفا انقضاء مدّة صلاحيَّتها فسارعا بها إلى المستشفى

حاول جاهدًا تذكُّر المريضة دون أن يستطيع رسم صورة لها في مخيلته. فسارع إلى حلّ الطّارئ من المشكل قبل التّطرّؤِ إلى السّبب:

  • بدايةً كيف حال المريضة الآن
  • كان الاختلاج قد توقّف قبل وصولها إلى المستشفى وهي الآن مستيقظةٌ فماذا تريد أن نجري لها من الفحوصات؟
  • أولا أتمنّى عليك أن تعودي و تسألي الأهل عن الاسم الذي أعطوني إياه في عيادتي، والتّاريخ الذي عاينتُ فيه المريضة للمرَّة الأخيرة، فأنا لا أعثر على اسمها على الكومبيوتر.

هو كان ينظّم ملفاته بشكلٍ إلكترونيٍّ يُسهِّل الوصول إلى الملفَّات خصوصًا في حالات الطّوارئ، والحالة الوحيدة التي تبرز فيها المتناقضات واختفاء الملفات كان عند البحث عن أسماء المرضى من النازحين الآتين من مناطق في سوريا أو العراق حيث يحلُّ مقام اسم الوالد مقام كنية العائلة، مما يتسبَّب بخلط الحابل بالنَّابل حتى في قلب الحاسوب.

  • طبعًا أذكرها، قالها بتأكيدٍ عندما تلت عليه الطَّبيبة اسم المريضة الكامل الصّحيح، وقرأ في ملفِّها عبارةً كتبها لنفسه عندما عاين المريضة للمرَّة الأخيرة منذ سنة ونصف “إنتبه طفلةٌ ذكيّةٌ قويّة الشّخصيّة تُهملُ أخذ الدَّواء عمدًا”
  • سَليها إن كانت لا زالت تواظب على أخذ دوائها أو أوقفته من تلقاء نفسها، تابع مع الطّبية عبر الهاتف.

كانت من الأطفال الذين رأوا ويلات الحرب ودمويّة البشر ووحشية الإضطهاد في نينوى، فحملها أهلها على كاهلٍ أثقلته المآسي و لجأوا بها إلى لبنان.

  • كما توقَّعتَ يا دكتور، أجابته طبيبة الطّوارئ بعد برهة، الطِّفلة أوقفت الدّواء منذ بضعة أسابيع

لم يكن هناك من حاجة لإبقائها في المستشفى و لا لتحميلهم التّكلفة الإضافيَّة لإجراء الفحوصات في الطّوارئ. 

قام بتعديل جرعة الدّواء وطلب من الأهل إجراء تخطيط الرأس “على رواق، بعد يومين أو ثلاثة، وبرجع بشوفها بالعيادة” قال قبل أن ينهي المخابرة و يعود جاهدًا ليحاول اقتناص بضعة دقائق من النَّوم قبل شروق الشّمس.

كان متحضِّرًا لزيارتهم اليوم، فهو قرأ التّخطيط منذ بضعة أيَّامٍ ورأى حجم الخلل الذي ظهر فيه و كأن الدواء مضى على إيقافه أشهرًا عدّة.

  • –       “وليش وقّفتي الدوا يا دوموزيل؟” سألها مبتسمًا مع بعضٍ من العتب وهو يدعوها وأهلها إلى داخل العيادة
  • –       “لأنّ زْهِقْت من الدَّوا” ، كان جوابها سريعًا و واضحًا كشخصيَّتها القويّة

لعلّ أحد أصعب وجوه المراهقة هو الحاجة إلى إقناع من لا يريد أن يقتنع، بغضِّ النَّظر عن دماغة البراهين.

  • –       “المسؤوليَّة تقع على عاتقكم جميعًا”، قالها وهو يحدج الوالدين ثم الطّفلة بنظرةٍ حادَّةٍ
  • –       “يا دكتور، كنَّا نعطيها الحبّة، لم نكن نعرف أنّها لا تأخذها”، أجاب الوالد معترضًا
  • –       “إنَّها طفلةٌ لا تحمل مسؤوليَّة صحَّتها، ولكنَّ إيقاف الدَّواء لم يكن وحده سبب معاودة الاختلاجات، فالمرَّة الأخيرة التي تمَّ فيها تعديل الدَّواء، كانت من سنتين، وهذه طفلة في نموَّ مضطّرد، فازدياد الوزن يجب أن يترافق مع تعديل جرعة الدواء صعودًا بما يتناسب مع الحالة، أو كنتم و كأنّكم تخفّفون الجرعة حكمًا، وأما بالنّسبة للتّخلّص من حبّة الدّواء سرًّا فذلك ما تسبّب مباشرةً بما حدث الأسبوع الماضي.” قالها وهو يحضر وصفات الدواء ليعطيها للوالد
  • –       “عندي طلبٌ إضافيّ يا دكتور”، سارع الوالد بالقول، “نحن بحاجةٍ لتقريرٍ بكامل الحالة الطّبيّة، مع تقريرٍ بحاجتها لهذه الأدوية عند صعودنا الطائرة”

خمس سنوات محتها يد الشر من حياة هذه العائلة في التّشرُّد والضّياع، و ها هم بعد طول انتظار ينالون اللّجوء إلى بلدٍ غريبٍ في قارَّة أخرى. بلد غريب كان فيه رأفةً أعظم من رأفة أبناء جلدتهم عليهم.

كل ما كان يكتب أحد هذه التّقارير لأحد العائلات من طالبي اللّجوء ،كان يشعر بحسرةٍ عميقةٍ في قلبه لأنّ اتّجاه هذه العائلات لم يكن يومًا رجوعًا إلى أوطانهم، لتصحيح الإثم الذي اقتُرف بحقّهم.

هو زار معظم أصقاع العالم، هناك حيث يعيشون بسلام، و لا يضطّر جيلٌ أن يضحّي بعطاءاته ليضمن مستقبل الجيل الذي يليه، بل هناك الأجيال تتتالى بسلاسةٍ تضمن استمراريّة النُّهوض والازدهار، ومركَّبات الأوطان تتآزر لتصنع رفاهيّة يتشاركها الجميع، و كم كان يتوق لأن يرى هذا الوجه من الحضارة في أحد البلاد الإثنين و العشرين.

 هو كان يرى أمامه والدين أزهقا طموحاتهما ليذهبا متأخِّرين في الزَّمن إلى بقعةٍ جغرافيَّةٍ يستطيع فيها أطفالهم أن يبدؤوا من الصّفر بناء خطِّ حياة جديد، في أرضٍ ليس فيها من يعتنق ثقافة الموت والكراهية.

حبّذا لو استطاعوا أن يبقوا على زرعهم حيث اختار الخالق أن يبذره، قبل أن تتجرّأ يد بشريَّة أن تمتدّ لتحرق ما زرعه الله.

  • –       “توصلوا بالسّلامة” قالها وهو يعطي الطّفلة وصفة الدّواء ويُتبِعَ قائلًا ” وهذه الورقة لك، إتبعي تعليماتها حرفيًّا لكي تستطيعي فعليًّا إيقاف الدَّواء بعد سنتين”
  • –       “وهذا التّقرير تذهب به مباشرة إلى الطّبيب الاختصاصيّ ساعة وصولكم” أضاف وهو يعطي الوالد الورقة التي تحتوي نصًّا مطوَّلا بالإنكليزيّة
  • –       “ما تخاف يا دكتور هناك لجنة طبّيّة بانتظار وصولنا لتستقبلنا” أجاب الوالد ضاحكًا “هونيك البلاد غير هون”

راقبهم وهم يتركون عيادته ذاهبين إلى البلاد الجديدة، إلى غدهم الأفضل، والتفت إلى مريضه التّالي الجالس في كرسيّه المتحرّك بجوار مكتب السكرتيرة “يخرطش” على ورقةٍ بيضاء أعطتها له السكريتيرة مع بضعة أقلامٍ ملوّنةٍ بألوان قوس قزح، ابتسم له ولوالديه ودعاهم للدّخول و هو مصمم أن يجعل غده و غدهم أفضل، أمام هذا المرفأ، و تحت هذه الشَّمس، في أفياء شجر الأرز.

رأي واحد على “التقرير

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s