إعادة صياغة “الشعب” و”الدولة”

إعادة صياغة “الشعب” و”الدولة”

وليد الزوكاني

اللوحة: الفنان التونسي نجيب بلحوجة

تثبت الأحداث التي تعصف بالمنطقة حاجتنا لإعادة صياغة مفهوم الوطن بمعناه السياسي الحديث، بصفته حيزاً مكانياً لمجموعة من الناس تُشكّل مجتمعاً لشعب بمعناه العميق، بغض النظر عن أصول وانتماءات أفراد هذا الشعب ومعتقداتهم وأفكارهم.

الوطن بمعناه الحديث هو حيز مكاني يتوافق فيه الناس على عقد اجتماعي لإدارته، ينبثق عن هذا العقد قانون ينظم علاقات الناس، ويتحول الجميع بموجب هذا العقد إلى “شعب” يستمد هويته من إدراكه لمصالحه ولثقافته المشتركة، بعيداً عن الأصول الإثنية والطائفية والفئوية والقبلية، أي باختصار بعيداً عن كل انتماء ما قبل وطني، وبالتالي يتم إعادة تأسيس الدولة الوطنية على أسس حقيقية، بصفتها إدارة عليا لحياة الشعب بحاضره ومستقبله، تستمد وجودها من سعيها للتعبير عن المصالح الحقيقية لأبناء هذا الشعب، وتستمد هويتها من المشترك بين شعبها ومن إدراكه لنفسه أمام الشعوب الأخرى

يبدو الكلام نوع من المسلمات، لكن ما نمر به من أحداث عاصفة تكاد تعيدنا إلى القرون الوسطى، يفرض علينا إعادة طرح هذه المسلمات التي يبدو أنها لم تكن في يوم من الأيام بديهية، بل محل خلاف حقيقي وعميق.

الدولة العربية الآن أشبه بمؤسسة استعلائية لا علاقة للشعب بها، وقد تتبنى أحياناً سياسات تتعارض مع مصالح الغالبية من أبناء مجتمعها بحجة أنها مصالح “عليا”!.

الدولة العربية الحالية إقصائية، تمارس أحياناً سياسات اضطهاد ضد شرائح معينة من أبنائها، لأنها ببساطة – حتى لو اتبعت الأساليب الديمقراطية في الحكم – دولة فئة وليست دولة شعب، بمعنى إذا كانت دولة ديمقراطية للأغلبية فهي تعبر عن انتماءات ما قبل وطنية لهذه الأغلبية، بما فيها من انتماءات قبلية وطائفية وفئوية، وإذا كانت دولة أقلية، فهي دولة استبداد بالضرورة، موجهة ضد الأغلبية، في ظل سيطرة الأفكار والانتماءات الفئوية.

ولنسأل أنفسنا لماذا نجحت المجتمعات الغربية في تأسيس دول حقيقية وفشلنا نحن؟، الجواب ببساطة: لأننا نصر أن نتعامل مع الدولة بذهنية فئوية، ولذلك تتحول مؤسسة الدولة من مؤسسة عليا للإدارة، إلى مؤسسة لتصفية الحسابات التاريخية.

وإذا كانت الدولة تعرّف في حقيقتها كمؤسسة تحتكر العنف، وتمارسه لتطبيق القانون بمعناه الواسع، فإنها تتحول عند أصحاب الانتماءات الفئوية إلى مجرد أداة قمع وإقصاء واضطهاد، وساحة فساد وإفساد، تفتقد لأي مشروعية شعبية، ولذلك تبدأ بخدمة مصالح الدول الأخرى لتستمد منها مشروعيتها، تحت مسمى “الشرعية” الدولية.

ما يحصل حولنا دمار غير مسبوق، وهو في حقيقته دمار لنوع “الدولة” التي أسسناها، والتي هي أشبه بالهراوة، ولهذا النوع من الوطن الذي هو أشبه بالقفص، حين تحول القانون إلى سلاح في يد عصبة من المسيطرين. لا هم لهم سوى حماية امتيازاتهم، وملء جيوبهم بالأموال المنهوبة.

رأيان على “إعادة صياغة “الشعب” و”الدولة”

  1. شكرا أستاذ وليد على قراءتك، في الواقع ننطلق من أبعد ما يكون عن الأبراج العاجية كما يحب أن يرى البعض.. نحن يا صديقي موجوعون، وليس من حقنا سوى الصمت، الشلل، وخديعة الأمل الرخيص، ومع انسداد الأفق إلى هذه الدرجة لا يبقى لدينا سوى التمسك بحقنا الأخير: محاولة الفهم. تحية محبة صديقي الكاتب الجميل الذي يأخذنا أعمق من الكلمات..

    إعجاب

  2. مقال أكاديمي رصين ورأي معتبر يضع القارئ أمام مسئولياته ليعرف أين هو .
    لكن مع الأسف ربما يرى البعض أن هذا تنظير من برج عاجي بعيد عن الأرض الواقع .، إلا أنه من هنا يأتي المنطلق عندما يطرح تساؤل يستوجب التأمل وإعمال العقل .
    خالص تقديري للجهد المبذول

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s