اليوتوبيا المقلوبة

اليوتوبيا المقلوبة

محمد نديم علي

اللوحة: الفنان السوري أكرم زافي

ألقتني أزمتي الطاحنة إلى زمن عجيب، صافي السموات، وجوه الناس مبتسمة، ملامحهم سمحة، نسيم طيب، وحدائق غناء وطيور وفراشات جميلة، وبيوت ذات ألوان زاهية.

ناداني فيلسوف على الطريق، من برميله الذي يسكن فيه ..ألقيت عليه بالسلام، وسألته عن المكان.

أوحى لي.. بأني في زمن دولة “اليوتوبيا”  المدينة الفاضلة.

سألني عن مدينتي ورحلتي ومظهري، وكآبة منظري.. ودون أن ألفظ حرفا.. وكأنه يقرأ من كتاب سحنتي المرهقة، أفاض الشرح عن مدينته الفاضلة، وكأنه يمعن في تبكيتي ولومي وحرق أعصابي:

الدولة هنا تعمل لصالح شعوبها، بشفافية وبلا تذمر من الفقراء، ومشكلاتهم وجهلهم وقلة حيلتهم ووعيهم.

فالحكام أبناء الشعب (العائلة)، المفوضون لإدارة شئون العائلة، فكيف يتكبرون عليهم أو يسخرون من عوائلهم؟ وكيف يسرقونهم وقد وكلوا بإدارة أموالهم؟ وكيف يحمون أنفسهم ويتركون الآباء والأمهات يموتون من فقر أو عوز أو نقص دواء وعلاج؟

الحاكم هنا خادم عام، لا يعبد سلطة، ولا يفخر بسفك دماء من أجلها، ولا يناصر لصا أو منحرفا أو فاسدا كي يزيد من قوته على قهر الشرفاء.

الحاكم هنا جاء ليخدمك لا ليسخر منك أو يتأفف من مطالبك.

لا سيدي ، رغم صمتك، أري إنك تبالغ.

رجوته أن يقبلني عضوا في مدينته الجميلة.

سألني: المهم بطاقة الهوية؟ أمعك بطاقة هويتك؟

أجبته :نعم نعم .. معي، الوحيدة التي أحرص على وجودها معي، حتى ولو تحت جلدي.

فحصها بلا اهتمام: لا تصلح، وردها لي قائلا:

إنها بطاقة مقلوبة، لا تصلح سوى لزمن اليوتوبيا المقلوبة.

عد من حيث أتيت، واعدل ما هو مقلوب .. تعتدل مدينتكم المنكوبة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s