قصاص

قصاص

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان التشيكي جاكوب شيكانيدر

وحيدا يعارك هواجسه.. أشباح جرمه.

وحده مع الذنوب.. تطارده.. تطل خلف كل ستار.

حبه الوحيد.. أمله.. كانت..

 لم يبق حوله سوى أطلال تظهر ملامحها البريئة في جنباتها.

تراوده بعذوبتها، فيرى فيها ما ضاع من أحلام الشباب وفورته.. تطل بوجهها الملائكي؛ فينسى كل مؤرقاته في عينيها.. حارسها وراعيها، مرفأها الذي ترسو عنده سفنها المجهدة من عناء الترحال.

لما تنفست أنوثتها.. باتت تعانده في أحلامه العجفاء، لم يحلم بأنثى تفوقها، يكبرها بالخبرة والعمر، ويصغرها في الكثير.

كبرت أمام عينيه أميرة، نخلة في صحراء حياتهما بعد فراق الصفصافة التي كانت تظلهما، كانا يتيمين بأم لم تبصرها مرارة الأيام وتشابهها بمتغيرات عصر العولمة، لكنها ظلت تظلل بفطرتها أيامهما.

كثيرا ما أجبرها على رسم عاهرة بعريها أمام عينيه الشبقتين، يشبع بمراقبتها مرضه، وهي تهابه.. تخشى على الصفصافة العجوز قهر الحقيقة، تأبى نهش سياط الغرباء عرضهما.

أودعا يد الرحمن وأدِيَت الأمانة، لم يتكشف الغيب لترى قبيل الرحيل غد زرعها، ولا الموت أردعه.

راودها عن عذريتها مرارا؛ فلم يدخل حصنها.

صارت أحلامها السحاب، وبات عدلا أن تقرن مصيرها بآخر.. بدأ يشعر بنهايته.. بهزيمته في معارك لم تبق منه إلا الحطام، لا، من أحق بها منه؟! زوجها هو، بشرع آلهة جمعتهما صغيرين بعد اصطفائها عروسا مؤجلة للخصوبة؟!..  

عاودته أحلامه المحمومة.. 

ها هي ذي.. حورية مباركة.. مد يده.. لفظتها.. عاودها في تذلل.. انصرفت جامحة.. لابد من كبحها إذن.. لابد أن ترى قوته الحقيقية.. فحولته.. تذعن لحق الآلهة.

 تسلل إليها.. فاتنة في مهدها.. يريد ري غلة حرمانه.. تلمس نقاط ضعفه.. لا.. ليس ثمة عودة.. استجمع قوته.. انقض على مفاتنها المعذبته طويلا بمهارة ساسها، يستمتع الآن بتأوهاتها.. بعينين منتشيتين يتفحص سكرتها تحت وطأته. 

لفظها بين غيبوبة ويقظة كائنا مثخنا بالهلع.

عاد من معركته.. مُقَلَّدًا بالانكسار.. فاقدا كل شيء إلا قمقمَ روحه النتنة.. انزوى في ركنها.. غير قادر على المواجهة، نادى آلهته.. فما استجابت. 

دوت صرخة.. تبعها ارتطام.. وعلا لغط.

فاتنة.. تتوسد إسفلت الشارع..  هالة طازجة تحيطها.. نظر إلى ذاته مليا.. السماء تهمي دما.

 هرع إلى الشقة يلهبه السلم بسياط درجاته.. أقعى في ظلام غرفته.. تمر الأحداث أمامه.. كيف لم ينتبه أبدا لتوسل نظراتها، وارتعاد فرائصها.. أية شياطين تلك التي ضيعتهما سويا؟!.

  اتجه إلى النافذة.. لطمه الصبح بهوائه.. اخترقته سهام الشمس.. أخذ نفسا عميقا.. ثم تهاوى.

تجمع الناس تلفهم الدهشة.. تسللوا واحدا واحدا يقلبون أيديهم:

                           “إنا لله وإنا إليه راجعون”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s