التشكيلية هناء عبد الخالق.. المرأة توأم بيروت

التشكيلية هناء عبد الخالق.. المرأة توأم بيروت

خالد جهاد

اللوحة للفنانة هناء عبد الخالق

هناك من المشاهد أو اللوحات ما لا يمر على القلب مرور الكرام فبعضها ليس مجرد صورة جميلة متقنة بقدر ما هي حالةٌ تبعث على التأمل، لتسقط كأشعة الشمس على مناطق معتمةٍ في الروح، تتعطش إلى جسرٍ يصلها بذاكرتها وماضيها ونبض حياتها وسر وجودها، فيزيح بيدين من الحنين الستار عن أجزاء من الذات لم نصل إليها بعد..

هذه اللوحة الفنية المميزة بتوقيع الفنانة اللبنانية هناء عبد الخالق ملفتة بشكل خاص، حيث تحدث صدمةً للعين بجماليتها وتداخل ألوانها ومعانيها، فتداعبك وتخطف قلبك مثل طفلٍ يضحك لك وهو يرتاح على كتف والدته فتعجز عن تجاهله لتجد نفسك مستغرقاً في عفويته وجماله دون أن تنتبه، وهو ما تقع فيه مع هذه اللوحة بشكلٍ مباغت، فمتتبعوا مسيرة وأعمال الفنانة هناء عبد الخالق يستطيعون بسهولة أن يميزوا صمتها ويتأكدوا أنها أحد ابداعاتها إن كان ذلك من خلال طريقة الرسم أو امتزاج الأفكار والصور والمعاني وانصهار الألوان في بأسلوب يعكس وجه لبنان الفريد المرصع بالشوق إلى السلام والفرح الحاضن للإبداع..

فهذه اللوحة طاغية الأنوثة بشكلٍ لا لبس فيه، فهي تحمل خصائص المرأة وتعيد إخراجها من كل صورةٍ نمطية ألصقت بها لتنقلها إلى فضاء أكثر رحابة، فمن يتأملها ستتبادر بيروت إلى ذهنه مباشرةً، بيروت الأنثى، بيروت الثقافة، بيروت الجمال، بيروت التنوع، الميناء الذي يستقبل عشاقه ليرتشفوا الحياة على طبقٍ من الألوان والشرفات التي تزخر بها لوحات فنانتنا وتميز بيوت بيروت القديمة ومعمارها الخاص الذي يمزج حضارات الشرق والغرب، تلك البيوت التي تحمل بصمات المدينة وتاريخها منذ قرون كشاهدٍ على العصر وملتقىً لثقافات المنطقة العربية بأكملها، وتحمل شرفاتها معانٍ خاصة لا تمل الفنانة هناء عبد الخالق من استعادتها واحيائها عبر لوحاتها في إشارةٍ مستمرة إلى ولادات بيروت المتكررة ومخاضها العسير الذي سينجب المزيد من الألوان والفرح والبهجة والثقافة وسيأتي بمزيدٍ من الحياة عبر الشرفات التي تشكل رئةً جديدة تتنفس بها بيروت الصعداء بعيداً عن رائحة الدخان والنيران، ليطل نورٌ جديد يباغت هذه المدينة الإستثنائية ليس فقط في منطقتنا بل على امتداد التاريخ الإنساني ويكرسها كأعجوبةٍ مستقلة ومسرحٍ كبير لمجموعة من النساء اللواتي ينصهرن في جسد مدينة واحدة متشبعة برغبة عنيدة واصرارٍ أكبر على الاستمرار..

ورغم أن اللوحة تحمل الكثير من الرقة على صعيد الصورة إلا أنها مفعمةٌ بالقوة وتعيدنا إلى زمن الأساطير الكنعانية الفينيقية مذكرةً بدور المرأة في الحضارات القديمة التي تجمع بين دوريها المحوريين كمركزٍ للسلطة والخصوبة وقدرتها على حمل عدة أوجه للحياة، وولادةٍ مستمرة لعدة أجيالٍ وحضارات وهي ما نلاحظه في الجزء الذي يشبه بطن الأم والذي يحمل في داخله مدينة ً(جديدة) هي بيروت أو حتى أي مدينة أخرى في لبنان أو خارجه، ولكن ليس بمعايير اليوم بل من خلال العودة إلى الوقت الذي كان يعطي للجمال والتراث والأصالة حقها ويحافظ على وجه المدينة البسيط والجميل الذي لا يحتاج إلى تغيير ينزع خصائصه التي امتاز بها وأحبه الناس لأجلها، من خلال معماره وطرقاته ومفرداته وأحاسيسه وايقاعه الذي يعيش عليه ويتنفس من خلاله الحب والأمان في أبسط تفاصيله وأدقها، فيخلق لوحته الخاصة التي تلهم الشعراء والأدباء والفنانين ليعيدوا رسمه كما يستحق وكما يليق به، وكما اعتدنا أن يكون عليه على مر التاريخ أصيلاً لا يشبه إلا نفسه..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s