شفرة

شفرة

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان الإسباني سلفادور دالي

منذ أيام هاتفني أحد الأصدقاء القريبين إلى نفسي، طالبا أن ألاقيه لبعض السمر بصحبة قهوتنا المرة، فقد يغيب في رحلة عمل ما يقرب الشهر، ويود أن يودعني، سعدت جدا بسماع صوته، ورحبت بالفكرة، خاصة وأني لم أره من فترة طويلة، وقد اشتقت بالفعل إلى حديثه، حددنا المكان والوقت المناسبين له، مشترطة عليه أن أنصرف في ساعة معينة لارتباطي بأمور تخص أطفالي.

 كان لقاؤنا ممتعا بكل جوانبه، تجاذبنا أطرافا عدة لأحاديث مختلفة، حلقنا بين الطرفة والمزحة في غير مكان، انتهى الوقت، فاستأذنته لإتمام بعض التزاماتي، استودعته الله، فودعني على غير عادة في الوداع، فقد كانت طريقته مختلفة تلك المرة، سلمت، فاحتضن كفي بين كفيه وفي عينيه التماعة شجن لم أحسن ترجمتها، ولم أعول عليها في نفسي كثيرا، فقد شغلني أمري عن أمره، ثم صاحبني إلى السيارة، وما إن وصلنا طلب مني أيضا على غير العادة أن أوصله بسيارتي حيث سيارته التي لم تكن تبعد كثيرا عن المكان، فاصطحبته إليها، وهو يفتح حديثا ويغلق آخر وفي صوته توسل خفي ألا أفارق، لكنها الحياة، ودعته على أمل أن نلتقي بعد عودته من رحلته إن شاء الله.

 وسافر صديقي سفرته الأخيرة التي لاعودة منها، لكن طيفه ظل يحلق في مكان لقائنا الأخير وعيناه تطوفان بنفس التماعة الحزن الغامض الذي لم أستطع أن أفسره، ولم تسعفني فطنتي لفك شفرته.

 حملني هذا الموقف لذكرى بعيدة قريبة، يوم كنت أودع والدي بالمطار، وهو يعاند عبراته كيلا تعبر عما يجيش به صدره من ألم الفراق، فلربما يبدو ضعيفا أمام المودعين الذين اكتظت بهم قاعة المغادرين، لكنه ما أفلح في احتباسها عندما تخطينا الجوازات، صار يتعلق بحفيديه ويتعلقان به، احتضنهما سويا وأجهش بالبكاء، موقف درامي اختتم المشهد، مشيرا بيده مودعا لنا وعيناه تشيعنا بنظرة حزينة كلها رجاء وتوسل، وما أفلحت عباراتي في تلطيف ما كنا فيه جميعا، ظلت نظرته تراودني، وكلما غرست نصلها في شغاف القلب، عللتها بحنينه لحفيديه وتعلقه بهما، لكنه أبدا لم يفسر لي ما سر التوسل والشجن الذي امتلأت به مقلتاه في نظرة الوداع الأخيرة، فارق العزيز عالمنا تاركا نظرته تلك تقتات على حنيني، تنشب أهدابها في فضاء الروح، فأعاتبها بأسى، لم لم تمنحني الوقت الكافي للوداع؟

 تلك الرسائل المبهمة ربما يرسلها كل المفارقين، لكن ردارات أرواحنا لا تحسن استقبالها، ولا تستطيع لها تفسيرا، فنستغرق في أحزان الفراق ولا تني وخزات الضمير تؤنبنا على جهلنا بإشارات ظلوا يرسلونها لنا ظنوا اننا استوعبناها جيدا، فخيبنا ظنونهم.

 ماذا لو منحنا القدرة على تفهم ذلك واكتشافه في أوانه؟، ماذا لو امتلكنا حل معادلات الفراق؟، ترى هل كانت مواقفنا تجاههم تغيرت؟، هل كنا نعطيهم من أرواحنا ما يستحقون؟ هل كنا اغتنمنا الفرصة لنستغفر منهم مواقفا كنا فيها نمتلئ أنانية فيسامحونا قبل فوات الأوان؟

 وهل سنرسل ما نملك من غموض رسائلنا أيضا لمن نحب وقت فراقنا، متمنين أن يفهموها في وقتها؟ 

 وماذا لو تكشَّف لنا سترٌ من الغيب فعرفنا ما نملكه منها ومتى أوانه؟، هل ثمة تغيير سيطرأ على معرفتنا بالحياة، ووجودنا فيها؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s