من حقيبة الذكريات – في الرَّمَادِي

من حقيبة الذكريات – في الرَّمَادِي

د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنانة البلغارية ماريا إلييفا

الدكتور نوري غير موجود؟؟ يا إلهي.. يا من يعلم ضعفنا وقلة حيلتنا.. يا غياث المستغيثين.. أدرك هؤلاء الذين قتلهم التعب.. أدركهم بالعاجل من رحمتك.. لم يعد لدىَّ لحظة لمزيد من التحمل.. أحمد لم تزل حرارته مرتفعة لليوم الثالث.. لا تجدى معه الاسعافات الأولية التي معنا.. طال صمته فتمدد على حجر أمه ليتمدد الذعر في خاطري كما يتمدد الظلام في النور.. لا نعرف أحدًا ولا شيئا في ليل هذه المدينة الصامتة صمتَ الكبريت، متلفعة بحذر الأجواء العسكرية المرعبة.. جميعنا يوشك أن يتفسخ من الرهق وهول الخوف ومشقة السفر أيامًا وليالي غير آمنين.. يوسف نوفل منتبه ومشغول بي يخفف من هلعي وقلة حيلتي وضيق ذات يدنا جميعًا.. حلٌّ فوْري؟ ينقذ أحمد ويرد صرخة أسماء وحزن أولادها المكظوم؟ بارك الله وجها قادرا على التفاؤل وسط اليأس المعتم.. لولا شهامة يوسف نوفل، وقدرته غير المعتادة على الابتسامة الصابرة وحسن الرأي، لكنت امرأً من الضائعين في غيابات تلك الرحلة المتلوية تلوِّىيَ الثعابين.. كل مسافة الحلم المهشم قد قطعناها جميعنا، على أمل لا يوجد إلا في محطة للراحة هي عند صديقنا “نوري”.. أعطينا “طالب” السواق الشهم خمسمائة دينار جمعناها.. اعتذر الرجل ليطلع من الرمادي قبل طلوع الشمس لضرورات أمنية.. لست أدرى.. كأنى يوم كتبت مطالع إحدى القصيدتين اللتين هاجمت فيهما الغزو العراقي للكويت بعد يومين من الاحتلال – كنت أعيش تلك الأحداث المهلكة التي تجرى لنا في تلك الرحلة حتى وقفنا هنا على الباب، لنجد بيت نورى ياسين بلا نورى ياسين، بل بلا أي نور:

أيها الشاردُ الْبعيدُ.. الْبعيدُ

أي نهْجيْكَ، أنت فيه طريدُ 

يهْدرُ الخوف بين جنبْيكَ،

لا الشّطُّ قريبٌ، ولا الرياحُ تجودُ

رحمةً للسّفين مهزومةَ الملاحِ

والبحر حوْلهنَّ جليدُ 

تَتَحَرَّى الآفاقَ، لا النجمُ نجْمٌ

في دُجاها، ولا الوعُودُ وعُودُ

تعبتْ مقلتاكَ والليلُ ويْلٌ

كلّما قلتَ قد تقضَّى، يعُودُ 

كم تَغرَّبْتَ هَاربًا لجراحٍ

من جراحٍ، قديمُهنّ صديدُ

لا تحاولْ من القضاء فرارًا

ليس ينجُو من القضاءِ العبيدُ

إيه يا مصرُ والقضاء نحُوسٌ

حين يُلقِى أرْواقَهُ، وسعُودُ

إنه خنجرٌ له ألْفُ حرْفٍ

كلُّها راجفٌ، مَخُوفٌ، شديدُ

نبْأةٌ بعد نبْأةٍ، وغيوبٌ

عَيَّ عن وجهِهَا الحليمُ الرشيدُ……

ومتى يعود أخونا الدكتور نورى يا أماه؟.. لا أدرى يا بنى غير أنه ذهب وأخوه الدكتور “حُورى” إلى قريب لنا عاد ابنه بعد سنوات من الأسر الإيراني.. ولا نعرف متى يعود.. لحظة يا بنىّ.. خرج لنا بعد دقيقة، فتى يافعٌ من بيت نوري يعلن لنا الإذن بدخول جميع النساء والبنات والأطفال إلى البيت ليستريحوا.. يا الله.. نزلت زوجتي أسماء بأولادها الأربعة بينهم أحمد. هند وشيرين ووائل.. زوجة الدكتور يوسف بأولادها الأربعة حسناء وحسن وحازم ومروة.. وبقينا مع عبد الحميد رجل المخابرات العراقي الذي عرف صدق حكايتنا وقد كان شاكًّا بحكم حسه الأمني.. سألنا وقد جلسنا ننتظر نورى: معكم زجاير؟.. أمر سهل نحضر لك ما شئت من زجاير لكن دلنا على أقرب دكان يبيع “الزجاير” وأقرب مستشفى.. عرف قصة أحمد واحتياجنا الفوري إلى مستشفى لإسعاف الحالة المتفاقمة.. قرر أن يحملنا إلى المستشفى.. أصرت أسماء الأم على مصاحبة ابنها.. قال عبد الحميد إنه لا يستطيع بحكم عمله أن يصحبنا إلى الداخل وظل منتظرا عودتنا لنرجع إلى بيت نوري.. لم يكد الطبيب العراقي يكتشف أننا من مصر حتى رفض علاج أحمد وأمر بإخراجنا فورًا.. كان الرئيس المصري حسنى مبارك في مؤتمر القاهرة حول احتلال الكويت، قد خرج بقرار شبه جماعي ضد صدام حسين والغزو العراقي .. حتى على الهم لا نخلو من السياسة.. تذكرت الكلمة الشهيرة: لعن الله ساس ويسوسُ وما اشتق منهما.. لمَحَنا موظفٌ مصري يعمل فى المستشفى.. مال إلى موضع في طريق الخروج، فأعطانا لفافتي شاش للربط وزجاجتى “ماركيوكروم ” لتنظيف جرح أحمد.. ابحثوا عن صيدلية مفتوحة واشتروا له علاجا.. كانت أسماء قد غيرت ملابس أحمد بعد أن غطسته في ماء بارد في بيت الدكتور نوري لحظة دخلت. رأيت أحمد يفتح عينيه لأول مرة وينتبه.. انتبه في قلوبنا الأمل.. عدنا إلى البيت فإذا الدكتور نوري يقترب من الباب عائدًا بصحبة أخيه حوري.. يعانق الدكتور يوسف..  أشار في شهامة ونخوة عربية إلى أخيه أن ادخلوا بعد أن تعانقنا طويلا.. أكرم الدكتور نوري عبد الحميد رجل المخابرات وشكر له تعاطفه وجهده قبل أن نودعه.. أعطاه نصيبا من الطعام ومن علب “الزجاير”.. صحبنا إلى أقرب صيدلية فغيَّر لأحمد واشترى كل ما يلزم من احتياجات طبية.. استشف الدكتور نورى من صمتنا السلبى، أن ثمن هذا الدواء لم يكن بمقدورنا.. تنفسنا أنا وأسماء لأول مرة منذ ثلاثة أيام، تنفسًا كالطبيعي..  في الطريق، يلفَّ الصمتٌ المطبقٌ عيوننا المهدولة، وأعصابَنا المرهقة، وأفكارنا المبعثرة، وتضغطتنا في الطريق إلى بيت نورى أمواج متراكبة من النوم بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده، لم يكد يراها..  

                                              وللحديث بقية إن شاء الله.


من حقيبة الذكريات – عشر دقائق ولكن!

من حقيبة الذكريات – قبل الانطلاق

من حقيبة الذكريات – ليلة تهوَّد فيها الشيطان

من حقيبة الذكريات – جرُّونا إلى الظل جرًّا

من حقيبة الذكريات – فى الطريق إلى «الرمادي»

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s