من حقيبة الذكريات – الطريق إلى «طَرْبِيلْ»

من حقيبة الذكريات – الطريق إلى «طَرْبِيلْ»

د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر

يستذكر الدكتور سعيد شوارب في سلسلة من المقالات بعنوان «من حقيبة الذكريات» أيام الغزو العراقي للكويت، وكيف اضطر لمغادرة الأخيرة مع أفراد أسرته ككثير من المقيمين العرب الذين اضطروا لمغادرة الكويت إلى بلدانهم في ظروف صعبة. 

 الدكتور نوري يوسع لنا المسالك داخل بيته الرحب.. نبلغ مكانا أعدته أمه بعناية.. النوم الذي كان يغالبنا في الطريق مع أحمد من المستشفى إلى تخوم الهزيمة – استسلمت له في بيت نوري جميع العيون من أفراد الرحلة الذين أنهكهم الخوف وأرهقهم السفر.. شهامة أم نوري وكرمها وحسن تصرفها كان أكبر مما تخيلنا.. عدد يبلغ اثنى عشر شخصا من ضيوف لا تعرفهم.. ساعة متأخرة من ليل لا يعرف غير قلق الحرب وحذر الترقب.. أجواء مشبعة بروائح البارود وطعم الخوف.. يدق هذا العدد المفاجئ باب سيدة ليس معها من رجال بالبيت إلا الصغار النائمون والنساء.. ما عند هؤلاء الضيوف اللاجئين من الأوراق اللازمة للدخول، ليس إلا عبارة شفوية نصها “نحن فلان وفلان، من مصر.. زملاء الدكتور نوري في الكويت”.. تأمر الأم العظيمة للنساء والأطفال على الفور فتفتح لهم الأبواب فتنقذهم.. ترسل الشاي والقهوة العربية للرجال الذين ينتظرون صاحبهم خارج البيت.. حفاوة كحفاوة الذي كان ينتظر قادما مهما.. لا شيء غير مواقف الشدة تجلو جوهر الإنسان الأصيل.. حدثتنا بكثير من التفاصيل هند وشيرين والدكتور يوسف وأسرته عندما استيقظنا ظهر اليوم التالي لصلاة الظهر.. فرصة لنتعرف على الغداء على مجموعة من أقارب الدكتور نوري يسرك أن تراهم، من أهمهم شقيقه الدكتور حوري ياسين والشيخ وليد الدليمي، زوج أخت نوري وقارئ القرآن الكريم والتواشيح بصوته الشهير بخصوصيته البارزة.. الجميع يتسقط وسيلة لسماع الأخبار وما يجرى في الكويت وحولها في وسائل الإعلام العالمية والعربية.. إجماع من الحضور على إدانة الغزو العراقي للكويت.. لا يستطيع أحد في جلسة المساء أن يخرج من أخبار الحرب.. همست للدكتور نوري أن سياراتنا بحاجة إلى إجراء صيانة عاجلة وتبديل زيوت الخ.. حصل فعلا وكله تمام.. فاجأني الدكتور نوري.. صعبٌ أن نعيد تحميل سيارتي بما كان فوق سيارة “عبد الحميد” من حمولة زائدة عن طاقة سيارتي.. عبد الحميد- على ما تذكرُ- هو السائق الذي استأجرناه واستضافنا في بيته خلال الطريق إلى الرمادي.. صعبٌ أن نُسكِتَ اعتراض زوجتي أسماء على ترك نصف الحمل النفيس الذي أنقذته من شقتها بالكويت.. تعهد الدكتور نوري بتصدير المتروك إلينا عند سنوح الفرصة بين العراق ومصر، غير أنها لم تسنح حتى كتابة هذه السطور.. لم يسمح لنا الدكتور نوري بالمغادرة إلا في اليوم الثالث.. وضعت أسرته في السيارتين من الطعام والزاد والفاكهة ما يزيد على بقية الطريق إلى القاهرة.. أصرَّ وأخوه حوري على إعطائنا أنا والدكتور يوسف خمسة آلاف دينار عراقي لتأمين الطريق.

.. لم يسمح لنا نوري بالسؤال وكيف نردها.. سنلتقي بإذن الله في الكويت أو في القاهرة.. ودعونا بسيارتهم عند أول طريق السفر الدولي إلى الأردن خارج الرمادي عند الظهر تقريبا.. ما عرفنا في الأخطار طريقا أشق نفسًا من الطريق إلى مدينة نوري ياسين.. وما عرفنا في الأسفار أعظم روحا من نوري ياسين وبيته حفاوة وكرمًا، وعفوية وحسن خلق.

أخذنا الطريق الرئيسي إلى “طرْبِيلْ” مركز الحدود العراقية الأردنية.. التوجس داخلنا ساطع كشمس العراق اللاهبة بعد الظهر.. أوقفتنا إحدى نقاط التفتيش على طريق السفر.. دلونا على الطريق.. نصحونا بمتابعة إحدى السيارات المتجهة إلى طربيل.. استردَّ الصغير أحمد كثيرا من عافيته ومعها ابتسامته وتعليقاته مع إخوته.. ليس في المشهد الوسيع حولنا والغروب زاحف إلا المآذن المرتفعة في القرى، وأبراج الكهرباء.. الغابات والأشجار تملأ الأفق حتى تظن أن العراق كلها واحات هائلة من النخيل في حضن بردى والفرات.. يقبل الليل.. تختفي المآذن وتضيع الأبراج.. تضيع منا سيارة يوسف نوفل وسط الخلفيات الحمراء لسيارات الطريق.. يضيع معظم النصف المتبقي من الأمان.. لن يقف لك أحدٌ فتسأله عن شيء وسط الظلام والخوف.. لن يتوقف قطاع الطريق الذين أطلقتهم فوضى الحرب في سبل العابرين.. كثر من القادمين محملون بغنائم الكويت كما ظن الكثيرون.. تقف خلفنا قليلا سيارة.. ظننته يوسف نوفل في أول الأمر.. يبحث عني كما أبحث عنه بشق النفس.. نزل سائق الشاحنة الضخم الشوارب كعضلاته وقسوة صوته.. سألني عن ماء يملأ زجاجته الكبيرة ليشربوا.. سألته عن الطريق وهو يشرب ويقلب عينيه فيمن معي.. “زين”.. اتبعني طويلا حتى أعطيك الأشارة لتغير طريقك يسارا إلى طربيل.. سأكمل أنا بعدها إلى الشمال.. حسنا.. قطعنا وراءه شوطا غير يسير.. حالت بيننا وبينه شاحنتان تتنازعان السباق دون حياء أو خوف.. اختلط الأمر.. لم نعد نميز صاحبنا ولا يوسف نوفل.. رأينا إشارة ليلية لليسار فغيرنا الطريق إلى القصد.. استدرجتنا داخل الطريق الفخ عدة كيلو مترات محتملة المطبات.. بدا الأمر بعدها فوق الممكن.. الطريق على ما يبدو مخصصة لمرور شاحنات البترول العملاقة المتجهة إلى الأردن.. مَدقَّان على اليمين واليسار عميقان بعرض العجلات الغليظة للشاحنة.. تتنفخ بينهما تكرشات من كسر الطريق والرمال والوحل.. لا يسمح عرض المرسيدس ولا بطنها بالسير في مدق الشاحنة بطبيعة الحال.. لا يسمح الأمر بالوقوف وانتظار مالا يجيء.. نصحَنَا عابرون بأن نمشي مهلا على أقصى يمين المدق أو ننتظر الصباح.. كافحتُ في اليمين حتى لم يبق في الكفاح متسع.. المطبات هنا ليست في شراسة الكبيرة على يسارها.. سترك اللهم.. لو انفجرت هنا إحدى عجلات السيارة بنا لانفجر كل شيء في حياتنا.. اقترحت أسماء أن تنزل والعيال من السيارة ليخف الوزن وأمشى بسرعتهم من خلفهم كلما استحال الركوب.. الليل ينفرج عن الفجر ولم ينفرج الطريق بعدُ، ولا صدورنا.. صلينا ودعونا بدعاء “يونس”.. طلبت أسماء من أحمد أن يدعو الله لعله يستجاب لبراءته.. تناولنا من خيرات نوري ياسين وانتظرنا بلهفتنا أن يسفر النهار.. كانت ليلة كأنها من الليالي التي وصفها أبو العلاء المعرى، غير أنه ليس عليها قلائدٌ من جُمَان

“ليلتى هذه عروسٌ من الزَّنج

عليها قلائدٌ من جُمَانِ”

بل جاءت ليلتنا من ليالى “يونس بن متى” في بطن الحوت وقد كنا ساعتها على مقربة من “نِينَوَى”، بلدة النبي يونس صلى الله عليه.. طلعت الشمسُ فركبنا.. ظللت الساعات الطوال أنتقى مواضع العجلات على طريق يصعب فيها الانتقاء.. ليس على طريق الشاحنات من نقاط التفتيش إلا ما ندر.. يبقى شيء من الميزات حتى في الأسوأ.. من بعيد بدت لنا تجمعات مزدحمة من أنواع مزدحمة من السيارات.. هي “إذن طربيل” التي ضللنا الطريق إليها إلى طريق شاحنات البترول.. مركز الحدود مع الأردن وآخر نقاط التفتيش العراقية.. هنا – كما أخبرونا- أشق أشكال الفرز لكل من عبر.. “تباريح”- “يوم بكت الجزرة الخضراء”.. تلك القصيدتان لي في هجاء صدام والغزو العراقي.. نصوص كادت تقتلني مرات منذ كتبتها.. أعجب من نفسي الآن كيف لم أحرقهما وأتخلص من النار في طريق متفجر بالنار.. ما سرُّ علاقة التفاني الخفية بين الإبداع وصاحبه.. هل أغراني المكمن السري ساعة لففتهما كإصبع طويلة في مكان ممتد من نظام التكييف بالسيارة؟ شريط من الهواجس أغيب معه عن الرد على الكثير من أسئلة الأولاد في المقعد الخلفي.. نقترب ببطء من بداية طابور من السيارات نرى أولها ولا نعرف آخرَها.. منذ الأمس ونحن ننتظر دورنا.. أخبرنا بعض الواقفين قرب أواخر الطابور حيث التفتيش.. اقتربت مع ناس يأكلهم القلق مثلى والملل.. بطء الأمور وتعقيد الإجراءت.. كثرة التوقيعات وعلو الصيحات.. ليس قبل الليل يصبح دورنا ممكنا.. الكثيرون بمن معهم، يفترشون الأرض.. يبوحون أو يأكلون أو يصلون أو ينامون.. التحرك بالسيارة أبطأ من أمل كسول.. هل مخبأ للقصيدتين القاتلتين أكثر أمنا من موضعهما في نظام التكييف.. وهل يبلغ التفتيش درجة يفكون فيها جهازا دقيقا كهذا.. قررت أن أقترب من عملية التفتيش قدر الممكن.. أخذتني صدمة بلا حدود.. يفكون الإطارات من السيارة ثم يفكون الإطار نفسه.. هاجس النفائس المهربة من الكويت لا يفارق احدا.. يُعرُّون السيارة من كافة حمولتها حتى مقاعدها وفرشها ويفتشون بطنها الأسفل.. ينظرون بدقة داخل أوعية الطعام والماء.. ويخصصون نساء تفتش النساء.. يصادرون بعض النفائس ولا يسألون عن مصدرها.. كل شيء هنا قابل أن يكون منهوبا من الكويت حتى لو كنت أستاذا بإحدى جامعاتها.. هل يصعب عليهم أن يفكوا نظام التكييف في أي سيارة؟ بلغنا منتصف الليل وقد تجاوزنا منتصف الطريق إلى نقطة التفتيش إلا قليلا.. بدا الأمر أهول مما أظنُّ.. وأيقنت أنِّي، إذا صح ظني، أضعتُ الذى هو فوق القلائدِ.. فوق القصائدِ.. فوق جُنونِ التَّمنِّي..

                                                        وللحديث بقية إن شاء الله


من حقيبة الذكريات – عشر دقائق ولكن!

من حقيبة الذكريات – قبل الانطلاق

من حقيبة الذكريات – ليلة تهوَّد فيها الشيطان

من حقيبة الذكريات – جرُّونا إلى الظل جرًّا

من حقيبة الذكريات – فى الطريق إلى «الرمادي»

من حقيبة الذكريات – في الرَّمَادِي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s