من الحب…!

من الحب…!

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنانة الإسبانية ريميديوس فارو

كلما تلفظت بكلمة “حب”، اشرأبت نحوي الأعناق دهشة واستنكارا، وإذا قلت إني أحب، فغرت في وجهي الأفواه واتسعت الأحداق وعلت الطقطقات رفضا وزجرا وانبهارا، وكأني اقترفت جرما أو اخترقت محرما أو خدشت الحياء عيانا جهارا، وإنما أرجع ذلك إلى أننا نشأنا على معنى واحد للحب لانعرف سواه، بينما تغيب عنا معانيه الأرقى والأرحب، والأسمى والأعجب، فنحن في الشرق لا نفهم حقيقته بل نخلط بينه وبين الشهوة، ولا نعرف من وجوهه إلا ما يجمع بين الذكر والأنثى من علاقة، لذا تجدنا نهابه، ونخجل من الكلام أمام الغرباء عنه وعن عذابه، نخشاه لأن عواطفنا فيه عرضة للاستخفاف بها وغبنها وكبتها حين لا تفهم على حقيقتها، فإذا أردنا الإفضاء بمكنون قلوبنا اخترنا أقرب الأصدقاء، لنشكو من تجربة، أو لنستنير برأى.

فيا ترى ما الحب؟ وما ألوانه وأطيافه؟، وسيسأل سائل: وهل للحب ألوان؟!

أقول له ما قال الفيلسوف سقراط: الحب ألوان كما أن الجنون ألوان.

ويعرف أبوقراط الحب فيقول: أرقى عملية يمارسها الإنسان؛ لأنه من خلالها تستطيع مكوناته الجسمية والنفسية والعقلية جميعآ أن تمارس أعلى وظائفها، وأعمقها تغلغلآ فى كيان الإنسان، والحب عملية واعية عميقة، بل لعلها العملية الوحيدة التى يستطيع الإنسان من خلالها أن يصل إلى أعمق أعماق شخصيته.

أما بيتر فيلتشر فيراه بحثا لمعرفة الذات، ورغبتنا فى الحب هى رغبتنا لأن يُعتَرف بنا لا من أجل مانفعل، ولكن من أجل ما نكون.

علاقاتنا الإنسانية لا تستمر وتثمر إلا بالحب، فلولا الحب ما فنيت الأم من أجل صغارها، وما كد الأب من أجل عياله، وما استقامت أخوة، ولا نجحت صداقة، ولا استمر زواج، ولا تهادى بر، ولا حمدت ولاية، بل بالحب نقوى على اجتياز مصاعب لا تجتاز إلا به، ومخاطر لا تواجه إلا له، وتغفر خطايا لا تغتفر إلا لعينيه، وقديما قالوا في المثل الشعبي: “حبيبك يمضغ لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط “.

وعلى مستوى التعامل المادي مع الكائنات أو الأشياء، لا نجد للحب بديلا يقربها منا، ويحفظها لنا، فإن أحببت مقعدك أحبك وطال عمر استخدامك له، وإذا أحببت معطفك ما شعرت بأناقتك إلا في ارتدائه، ولا أحسست بدفء يعادل ما يمنحك من دفء، وإذا أحببت حذاءك جاد لك بعمر وراحة لا يقربها حذاء كرهته، وإذا أحببت سيارتك ما رأيت في سواها راحة ولا جمالا ولا أكثر منها منفعة، وهكذا..

وأتذكر معكم قول الحكيم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “أكرم دابتك تحملك”، فإن كانت الدابة قديما من الحيوانات ذات الأرواح، فدوابنا الآن من الآلات وذات الألواح، ولا يمنع ذلك من إكرامها ومحبتها.

ويحضرني في هذا المقام أكثر من موقف خضته بنفسي، سأقص واحدا منها:

 ما يجمعني ومن أدرسهم العلاقات الإنسانية وما يمكن أن نحلق فيه من رحابة الفكر والانفتاح على الحياة قدر استطاعتنا، لفت انتباهي بعض فتيات مشغولات عني بالحفر على الطاولات والكتابة عليها، فاتجهت إلى الكرسي المخصص للمعلم كي يلجأ له أحيانا للراحة، ودائما ما أحب أن أنحيه في جانب الفصل حتى لا يعوق حركتي، وقفت أمامه في أدب وأومأت له كسيد ثم قلت: هل تسمح لي أن أنقلك قرب الطاولة؟ وانتظرت قليلا كمن يسمع ردا، ثم أردفت: شكرا لك، وحملته إلى المكان وقلت: أستميحك عذرا، سأتعبك قليلا بالجلوس من فضلك، وانتظرت برهة ثم أردفت: أعجز حقيقة عن شكرك، وجلست، ثم طالعت عيون الكائنات الجميلة أمامي، فوجدت أكثرهن دهشة وانتباها من كن مشغولات، فقلت: هه، فلنعد لدرسنا، انفجرت الطالبات في ضحك هستيري، وانطلقت تعليقات متشابكة لا أستبين منها حرفا فبادلتهن الدهشة بدهشة والحديث بصمت مطبق حتى هدأن، فقلت: تصرفي غريب، أليس كذلك؟!، قالت إحداهن: بصراحة أستاذة.. ظننا… ثم ابتسمت، قلت: وما ظنكن في؟! قالت أخرى: عجيب أن تخاطبي الأشياء، في البداية أخفتينا، قلنا ما بها؟ ومن تخاطب؟ بصراحة، ظننا أن سوءا ألم بك حتى عدت لطبيعتك في الحديث معنا، قلت: أغريب أن أخاطب مقعدي لأستأذنه في تأدية خدمة لي؟ قلن نعم، قلت لم؟ قلن هو غير عاقل، قلت: وهل يعطينا هذا الحق لنؤذيه؟.. العصفور غير عاقل، والشجرة غير عاقل، والوردة غير عاقل فهل هذا تصريح لنا أن نلحق بها الأذى؟ قلن لا ولكنه جماد لا يسمع ولا يشعر، قلت هذا مقعدي الذي أحبه سخره الله لي بفضل منه وليس مني، ولو نظرنا لمكوناته من الذرات لوجدناها حية تدور ألكتروناتها حول النواة بلا توقف، وفي مدار لا تخطئه ولا تتركه، فإن جُنَّتْ في وقت ما وتخلت عن حكمتها لتأذينا بها أذى شديدا ربما أودى بحياتنا، وما الانفجار النووي إلا شيء من هذا القبيل، ومثل مقعدي طاولتك التي تخربينها وتحفرين جسدها بآلة حادة تدميها، لماذا أعاملها إذن أنها جماد لا يشعر ولا يتأوه، ألأني لا أسمع تأوهاتها ولا أرى غضبها؟ حاولي أن تحبيها لتحبك، زينيها لينعكس ذلك على نفسك، أكرميها ليرتد ذلك على روحك بهجة وإشراقا.

ماذا لو تعاملنا بالحب في جميع جوانب حياتنا؟، ماذا لو قلنا لكل شيء نحبه نحن نحبك؟ ماذا لو عبرنا عن محبتنا للبشر ولمخلوقات الله في كونه سلوكا وقولا؟ ربما أزهر ذلك في أرواحنا بهجة وسعادة.

إنَّ الحب من أرقى الدوافع الإنسانية وأسماها؛ لأنه يرتقي بالنَّفس ويسمو بالروح بوصفه صورة من صور الإيمان التي تُجَسِدُ تَجَلِيًا من تجليات الله على بني الإنسان، فالحب مؤدِّب يهذبُ النَّفس الإنسانية ويعبرُ بها من الأنانية والوحشية إلى الإنسانية في أسمى معانيها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s