الخزعة

الخزعة

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان النرويجي إدفارد مونك

نظرت الموظفة إلى الوصفة التي بين يديها، وقلّبتها دائريًّا أربع مرات، قبل أن تعود الورقة إلى وضعيَّتها الأولى.

خفضت نظَّارتيها المذهّبتين إلى طرف أرنبة أنفها، وقوّست شفتيها انحدارًا، وأرجعت عضلات خدَّيها باشمئزازٍ، ثم أرجحت عينيها عاموديًّا بين الوصفة بنسختيها البيضاء والزَّهريَّة وبين وجه الوالدة الذي بدأ لونه ينتقل من الزَّهري الورديِ الى الأبيض الباهت بينما كانت تراقب بقلقٍ وعن كثبٍ أمائر وجه الموظَّفة العتيقة.

لا شكّ أن للمستشفيات حرمة ومهابة تشابه خطورةً أرض المعركة، فكلّ كلمةٍ وكلّ حركةٍ يقوم بها طبيب أو موظّف هناك لا بدّ أن يأخذها المريض أو ذووه على محملٍ من الأهميّة أو الجدّ، وقد يسهى بال الكثيرين أنّ حديث المستشفى قد يكون حديثًا بسيطًا طبيعيًّا وليس تلاوةً لنصوصٍ مقدّسة. 

  • “شو هيدي؟ سْبِكْت… عندكم صورة مع إبرة ملوّنة للبنت يا حرام!!! …..”قالت الموظّفة كاسرةً صمتها المريب و تابعت، “مش حرام بعدها صغيرة”.
  • “لا يا سيدتي”، قالت الوالدة بثقة، “الدّكتور لم يتحدَّث عن أيَّة إبرةٍ ملوّنةٍ، دخيلك بنتي عندها حساسيّة على كل شي”.
  • “أنت أكيدة يا سيّدة؟” أعادت الموظفة مؤكِّدةً، “لأنّ الطّبيب طلب صورتين والصّورة الثّانية استثنائية، ما الذي حصل مع ابنتك حتى طلب لها هذا الفحص الخطير؟”.
  • لا شيء خطيرٌ يا سيّدتي، مجرّد احتمال اختلاجٍ كهربائيٍّ، لم يكن اختلاجًا واضحًا حتَّى، بل غابت عن وعيها للحظاتٍ في المدرسة ونحن نبحث عن السّبب.
  • “لحظةٌ وأعود يا مدام”، تابعت الموظَّفة قبل أن تُسارِعَ لتغيب خلف الباب الزُّجاجيّ المُحجَّر عازلًا عيون المتطفِّلين عمَّا يجري داخل مكاتب الأطباء وفي غرفة الرنين المغناطيسيّ الرئيسيّة.
  • “شو في يا ماما؟ لوين راحت الطّانط”، سألت الفتاة والدتها بقلق، “إصحى يكون في إبرة!” تابعت مشدّدة على كلّ كلمة، “الدّكتور وعدني إنو ما في شكّة إبرة”.

كانت الطّفلة على حقّ، فالذّي حصل معها لم يكن بتلك الخطورة وإن كان مقلقّا بحكم أنّ في العائلة سوابق حالات داء صرع. فعندما يغيب طفلٌ عن وعيه، غالبًا ما يكون السّبب هو الإرهاق أو الإعياء أو ما تترتَّب عليه طاقة اندفاع الطُّفولة من مضاعفاتٍ، ولكنَّ هذا التّشخيص يُعتبر حُكم الاستثناء بعد التّأكُّد من أن سائر المسبِّبات الخطرة مُنعدِمة الوجود.

وهذه المُسبِّبات تشتمل على التَّأكُّد من عدم وجود خللٍ في وظائف الأذن الدَّاخليَّة أوَّلًا، وذلك عبر استشارة طبيبٍ أخصَّائيٍّ في جراحة الأنف والأذن والحنجرة، ثم التَّأكُّد من عدم وجود خللٍ في وظائف القلب، خصوصًا من ناحية انتظام الكهرباء وخفقات القلب، وعدم وجود دقّات إضافيَّةٍ أو فترات سكونٍ زائدةٍ وطبعًا التَّأكُّد من انتظام الضَّغط، وإضافةً إلى ذلك يجب التَّأكُّد من وظائف الّدماغ عبر الفحوصات السَّريريَّة والصُّور اللَّازمة. وإذ انتفت كل هذه، حينها نعزو السَّبب إلى الإرهاق والإعياء.

طال غياب الموظَّفة خلف ذلك الباب الحاجب، فبدأت الوالدة تضرب أخماسها بأسداسها، أخذت الخواطر السّوداويَّة تغزو أفكارها من كل جانب من حدود الذَّاكرة ومستشرفات المستقبل.

ركَّزت نظرها على السَّاعة الكبيرة المركَّزة على الحائط خلف مكتب السّكرتيرات مستعجلةً تحرُّك العقرب الكبير الذّي بدا وكأنَّه يتبع قياس زمنيَّات كوكبٍ مختلفٍ بطيء الدَّوران. لم تكن وحدها التّي تعلَقُ في تلك الحلقة الزَّمنيَّة.

فكلُّ المرضى وذويهم يعلقون في تلك الحلقة بمجرد دخولهم زمن انتظار نتيجة فحص مخبريِّ أو عند بداية عمليَّةٍ جراحيَّةٍ.

  • “يا مدام الدُّكتور طلب صورةً متطوِّرةً جدًّا على ما يبدو”، قالت لها السَّيدة بعد بزوغها ظافرةً من خلف ذلك الباب، “هل حدّد لك توقيت خزعة الدّماغ؟”.

كانت نصفٍ دقيقةٍ كافيةً ليغزو الاصفرار تدريجيًّا وجه الوالدة الذي انكمش إلى حالة الهلع والارتياع وصولًا إلى الرعب ولم يصدر عنها سوى لفظة: “شو؟”.

  • “يعني عندي tumor؟” ببراءةٍ سألت الفتاة التي كانت تتابع هذا الحديث بكامل ملاحظتها.

جيل اليوم يختلف عن جيل الحرب، هو جيل منفتحٌ، واسع الاطلاع، منطلق الآفاق، هجّر الإعلام طفولته إلى نضوجٍ جزئيٍّ مبكِّر يشابه أمراض الشَّيخوخة المبكِّرة عند الأطفال.

لربّما تلك الفكرة لم تكن لتخطر ببال الوالدة لو لم تتطرّق الطِّفلة إليها.

  • “توقفي يا سيدتي،” سارعت الوالدة بالقول، “لا أريد إجراء الصّورة سأراجع الطّبيب وأستفسر منه قبل إجرائها”.
  • “لا، لا، مهلًا، انتظري لحظةً يا سيّدتي”، قالت الموظَّفة مسرعةً وهي تستعيد ورقة الوصفة الطَّبيَّة التي كانت أعادتها للوالدة للتوّ، وعادت لتختفي مسرعةً في المكاتب خلف الباب العازل.
  • “اسمهاSpectroscopy! Spectroscopy!  يا عزيزتي”

سَمعت صوتًا انثويًّا يتصاعد مع وقع خطواتٍ تقرب من الباب. 

  • “هذه ليست المرّة الأولى التي نجري فيها هذه الصّورة، … ولو !!” تابعت معاتِبَةً السَّيِّدة التّي ترتدي رداءً أبيضَ مع شارةٍ تعرف عنها كطبيبة أشعّة.
  • “أين هي والدة الطِّفلة؟” أكملت سائلةً وهي تبحث بنظرها.

كانت بضعة كلماتٍ كافيةً لتشرح للوالدة عن تلك التِّقنيَّة الحديثة القديمة التي هي نوع من تحليلٍ لِطَيف محتويات الخلايا في الدَّماغ مما يسمح بتشخيصٍ أدقَّ  أقلَّ كلفة للأمراض الوراثية خصوصًّا ولنموّ الخلايا عمومًا وإن كانت تلك التِّقنيَّة تُستَعمَل أيضًا في دراسة الأورام، وإن كان قلَّة من الأطبَّاء يسعون لاستخدامها.

  • “شَغَلنَالِك بَالِك عالفاضي” قالت وهي تربِّت على كتف الوالدة مهدِّئةً ومعتذرةً عن سوء تفاهمٍ نتج عن إلقاء عبارةٍ خطرةٍ جِزافًا ودون مبرِّرٍ.
  •  “طمّنتيني ألله يطمّنك” قالت شاكرةً الطّبيبة وأكملت مخاطبةً طفلتها “تعالي يا عزيزتي، سوف نجري الصّورة” ولكنّها لم تسمع جوابًا.

نظرت حولها فلم تجد طفلتها هناك، بدأت بمناداتها باسمها بأعلى صوتها.

  •  “ما تخافي يا مدام” سارع بالقول الشّاب التّقني الذي سيجري الصّورة “ها هي هنا”.

فخطت خطوتين إلى باب الغرفة المجاورة التي تتوسَّطها الأسطوانة المغناطيسيَّة المجوّفة، لتجد ابنتها قد التصقت بفوّهة الأسطوانة واشرأبَّت بعنقها إلى داخلها فارتفعت قلادتها وسلالة يدها المعدنيَّتين فالتصقتا هما أيضًا بجدار الأنبوب المعدنيّ بينما كانت تتفحّص داخله وهي تتطاول على رؤوس أصابع قدميها.

  •  “هلق بدي فوت لهون؟ واو… متل ما حضرت بالروبوتاج… بس فيها تفوت الماما معي؟”.
  • “أكيد، بس ممنوع تتحرّكي لمدة نصف ساعة، فيكي تنامي إذا بدّك” اجابتها الممرّضة ضاحكةً وهي تقودها من يدها لتُلبِسها البرنس الأبيض وتنزع عنها كل ما يحتوي على قطع معدنية.
  •  “يعني بدكم تشوفوا شو في بِ راسي؟ أنا كمان بدّي شوف” أكملت الفتاة وهي تتبع الممرّضة وعيناها لا زالتا مسمّرتان على جهاز التّصوير الكبير.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s