فوق ما يتصوره عقل

فوق ما يتصوره عقل

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الأكراني دانييل فولكوف

أحكمت غلق نافذتي التي تجاورني بسيارتي، نظرت عبرها كان الغبار يعلوها حتى باتت الرؤية مضبّبة، أدرت المحرّك، جلست أتأمل، لربما يصفو قليلًا، غير أنه لم يفعل بل غالى في غيّه، أطفأت السيارة، وانتظرت ولست أدري إلى متى ولمَ!.

نضي غير قليل، مرّ بيّ شيخ، يلفّ كوفية حول رأيه ويخفي نصف وجهه وعينيه، نظر إليّ، نقر على الزجاج، فأنزلته، فأحنى رأسه وقال: يا وليدي، لا تبتئس فالطقس يلهو، بات الخريف يأتي ببدايات الربيع، فقعد عهدت أن تتساقط أوراق الشجر بعدما تذبل وتجف، ثم تذروها الرياح.

تدبّرت كلماته، شردت بعيدًا غير أنه ردّني إليه بنقر النافذة من جديد، أكمل: يا وليدي ما أن تمر بضعة أسابيع إلاّ وتزهر من جديد باعثة الحياة في كل شيء، لكنّي رأيت الشجرة الواحدة بعضها تجف أغصانه بما تحمل من أوراق، أخرى تتفتّح وتزدهر.

فهززت رأسي، أمّنت على حكمته وقلت: نعم، كأنما الحياة باتت تجاور الفناء، كأن الموت من صلفه وجبروته يُخرج لنا لسانه، يصيح بنا بصوت جهوري، أنا هنا، بين ظهرانيكم، أعايشكم ليل نهار، أعاشركم حتى أنني أعلم السليم منكم من السقيم، أنتقي من شئت. أسفاري لا تُعدّ ولا تُحصى، رحلاتي المكوكية أقوم بها كل لحظة وهي فوق ما يتصور عقل ولا يخطر على قلب بشر.

 بكل منها أصحب بعضكم، أخصم من الحياة جزء من رصيدها، حتى أصل إلى نقطة يصبح فيها رصيد الحياة كلها صفرًا.

غير أنني أخاف مثلكم، أخشى وصولي لهذه اللحظة، فلا أعلم ما بعدها، أظن أن العيش لن يكون سهلًا آنذاك!

توقف الشيخ عن حديثه، ابتسم فانفرجت شفتاه عن فم غائر يخلو من الأسنان، أحسبني قد انجذبت إليه دون إرادتي، وإن أجفلت لرؤياه في البداية، ثم أومأ برأسه فأدركت مراده، فأحكمت وثاق سيارتي على جانب الطريق، ثم انطلقت أتتبع آثار خُطاه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s