من فلسفة الشعوب

من فلسفة الشعوب

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان المكسيكي دييجو ريفيرا

قال لي صديقي الحكيم ذات حديث:

إني لأدهش لما أراه في مجتمعاتنا،يزداد بون الاغتراب في داخلي يوما بعد يوم؛ فبت أخاف أن يقبض علي بتهمة هروبي غير المبرر من المتحف فأعاد إليه.

منذ أعوام دعيت لزيارة اليابان كخبير، استقبلوني في دماثة واحترام يفوق وصفه كلماتي، وبعد رحلة استعراض لمناحي الحضارة والتقدم الصناعي في بلادهم، دعوني لزيارة أحد المصانع.

تلمست بحاسة خبرتي أنهم يطمعون في إقناعي بالتعاقد معهم على استيراد منتجات ذلك المصنع لبلادي وما كانت بي رغبة لذلك، في الصباح تناهت إلي الأخبار بنبأ أخرجني من دائرة الحرج، فقد أعلن ذلك المصنع حالة من الإضراب، تنفست الصعداء مؤملا إلغاء الزيارة، لكن الرياح لم تأت بما أتمنى.

 في الموعد المضروب مع مدير المصنع جاءني اتصاله، بعد السلام سألته بلهجة الواثق: طبعا ألغي الموعد، فرد ضاحكا: ولم؟.. أنا أنتظرك الآن أهلا بك، قلت في دهشة: والإضراب؟، رد: لا عليك.. اهبط لأصطحبك إلى هناك.

جولة لا تنسى أمضيتها بصحبته في أرجاء المصنع استمرت من الثامنة صباحا حتى الثانية ظهرا لتنتهي بنا في مكتبه المطل على ساحة وسطى تكتظ بالعمال.

سألت: وما أمر الإضراب الذي تناقلته أخبار الصباح؟

تبسم قائلا: أود أن تلقي نظرة على تلك الساحة، وخبرني ما ترى.

الكل يعمل في دأب وحماس، لكن ما لفت انتباهي أنهم يعلقون شارة واحدة على سواعدهم، فسألته عن السر فقال: هذه الشارة علامة إضرابهم، يضعونها ليخبروا بذلك إدارة المصنع أنهم غير راضين، ويجب أن نسمعهم لنعرف مطالبهم، فسألت في عجب: ألا يمتنعون عن العمل؟، قال: ولم يجشمون البلاد خسارة يوم يمكن أن ينتجوا فيه ما يسهمون به في بناء اقتصادها؟.. العمل يسير على خير وجه، والإدارة تحترم وجهات نظرهم ولا تتأخر في سماعهم والعمل على الوصول لحل يرضي جميع الأطراف.

تحسرت كثيرا على ما أراه في بلادي من فوضى الإضرابات، وتضييع ساعات العمل فيما يجشم الدولة خسارات فادحة يستصغرها الفرد لكنها عظيمة بحساب الجماعات.

كم من أفراد يشغلون مناصب لا ينتجون فيها ما يوازي عشر رواتبهم؛ فيكلفون الحكومة مالا مهدرا؟ كم من عمال يتهاونون في متابعة ما كلفوا به فيتأخرون ويؤخرون غيرهم، وهم لا يرون أنهم حلقة في سلسلة متصلة تبدأ عندهم وتنتهي في قمة اقتصاد بلادهم… كم وكم….. !

إلى متى نتهاون في القليل فيتراكم ليصبح جبالا لا نملك إزاحتها أوالتخلص منها؟، إلى متى نؤجل مواجهة المشكلات الصغيرة حتى تتفاقم وتتأجج براكين تحرق الأخضر واليابس؟

ماذا لو تعلمنا أن نمعن التأمل في الأفق، ونتوقف عن النظر تحت أقدامنا فقط، ماذا لو تخلينا عن أنانيتنا ونظرنا إلى الصالح العام قليلا؟، ماذا لو تمسكنا بتوخي الجودة والإتقان في كل عمل وكل إلينا؟، يا ترى.. كم يكلفنا ذلك الأمر؟، وكم يحقق لنا من سعادة؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s