الآخر

الآخر

صالح الرزوق

اللوحة: الفنان الإسباني سلفادور دالي

«ما اعتدنا أن نعتبره خيطاً فاصلاً أصبح الآن حداً، أو سلسلة من الجبال، أو على نحو أكثر دقة قبرا» – فرانس كافكا

لم أجد مخرجا من الغرفة. وكان معي شخص آخر. وانتبهت أنه في مرحلة التحول. كان ينتقل من شكل آدمي لحشرة ضخمة. ثم وجدت طريقي للنافذة، وكانت بشكل جيب سري في الجدار، ينفتح إذا اقتربت منه، مثل الأبواب الأوتوماتيكية الحديثة. ومنه رأيت المرتفعات وصخور الغرانيت الأسود. وقدّرت أنها بقايا أجرام ملتهبة بردت على الأرض. والدليل هو أعمدة الدخان التي تحوم حولها. 

سألت نفسي: كيف يمكن التخلص من هذا المأزق؟.

بعد ذلك رأيت شخصا يعرج على السفوح. ناديته: يا سيد. فلم يرد. واعتقدت أن سمعه ضعيف. فوضعت يدي حول فمي مثل بوق، وناديت بأعلى صوت ممكن: يا سيد. هل معك حبل؟؟.

تمهل بخطواته، ورماني بنظرة عتاب، ثم قال: ومن أين لشخص مثلي بالحبال؟.

لم أفهم ماذا يعني. كان يبدو قويا، بكامل لياقته البدنية: كتفاه عريضان، وظهره منتصب كباقي اللبونات. ولكن حين هبط نظري نحو الأرض انتبهت لقدميه المشدودتين بالسلاسل. بالتأكيد هي سلاسل القدر المحتوم. وكانت تلمع بشكل منجل في وقت الحصاد، ولا شك أنها تقرض من كاحليه. لا شيء يقضم من عزيمة الرجل مثل سلاسل القدر الظالم. مسكين هذا الإنسان. قلت في سري. ثم تساءلت: من حكم عليه بهذا المصير. وماذا جنت يداه أصلا؟؟. وأخيرا لاحظت أنه يدحرج صخرة سيزيف. وتبخر أملي بالخلاص. هذا إنسان ميؤوس منه. أردفت في سري. على الأرجح أنه متهم بذنوب كثيرة، ويجب أن يدحرجها لنهاية المرتفعات. 

*** 

وهكذا ابتعدت في أعماق الغرفة. فما الجدوى من نافذة لا فرصة للفرار منها؟. ولمحت شريكي. كان قد أكمل تحوله، وبرزت له قرون استشعار، وخرجت عيونه. لنقل إنها أصبحت جاحظة. وكان يبدو مرعوبا. لكن من ماذا تخاف الحشرات العملاقة؟. ورأيت ذهنه وهو يعمل بكامل طاقاته. كان يفكر بطريقة ليعكس التحول. وبدأت أشفق على نفسي من هذه الخاتمة. لن يحترمني أحد إذا تحولت، مثلا، لعنكبوت. وسأمضي بقية عمري وأنا أهرب في الزوايا، وأنسج الخيوط مثل النساء.

وداهمني ألم مبرح. هذا المصير مهين. انحطاط. هبوط في سلم التطور. عقوبة لا يستحقها رجل عنده إحساس أو كرامة. ثم مر شيء من أمام النافذة، فأسرعت لأستنجد به، وتبين لي أنه نسمة هواء. كان للنسمات هنا جدوى. أحيانا تحملك مثل بساط الريح، وقد ترفعك كأنك في مصعد. ولكن فاتني الوقت، فقد كانت مسرعة. وهي الآن بعيدة. حتى أنها سبقت الرجل المذنب. ووقفت أتأمل صراعه مع أخطائه، وهي تزداد بعد كل خطوة، وتضاعف من عذابه. ترى هل سيحالفه الحظ؟. فالقمة بعيدة. وأحيانا أتخيل أنها دون وجود، بل هي محض وهم. أصلا لم أكن أراها، فقد حجبتها الغيوم وصفائح الضباب. ثم غمرني اليأس. فأغمضت عينيّ قليلا. وهنا جاءت الإشارة. أشرقت نقطة نور في داخلي. أين بالضبط لا أعلم؟. ورافقها حرقة عند الأكتاف.

هل بدأت بالتحول؟.

على الأغلب حان وقته. وسألت نفسي: بعد أن تنفصل روحي كيف سأكون، جمادا أم كائنا حيا؟؟. ثم جمعت أطراف شجاعتي وفتحت عينيّ. وللأسف لم أجد النافذة، ابتلعها الجيب السري، واستعاض عنها الآن بمرآة. وشاهدت صورتي عليها، ولم تكن تشبهني. كانت بوجه حاقد ولئيم، على غير عاداتي المألوفة. كل عمري وأنا إنسان متعاون وطيب، إنما الظروف تحكم. وكانت تبرز من كل كتف شفرات حادة ورقيقة على شاكلة جناح. اتسعت ابتسامتي فورا. أصبحت خفيفا مثل سحابة، وكان بوسعي أن أنتشر في الغرفة، ولو عادت النافذة وانبلج النور، سأجد طريقة لأتسلل منها ثم أحلق. ما دامت الأجنحة موجودة لم يعد أمامي ما أخشى منه. كل ما أحتاج إليه فتحة صغيرة. صدع بهذا الجدار القاسي والكئيب..


صالح الرزوق، كاتب وناقد ومترجم سوري، مواليد عام ١٩٥٩، درس في جامعة حلب وفي بولندا وعدة جامعات بريطانية. له مجموعة من المؤلفات الأدبية، منها «المأساة في الأدب»، «فوكو والجنسانية»، «الحركة الرومنسية في القصة السورية»، «موت الرواية – أزمة الخيال الفني بعد عام ١٩٨٥»، «تحرير الحداثة: الرواية المضادة في أعمال سعد محمد رحيم»، بالإضافة إلى ترجمات في الصناعة والتكنولوجيا. 

رأي واحد على “الآخر

  1. صديقي العزيز
    الكاتب والناقد والمترجم صالح الرزوق
    ليس لدي من الثناء ما يكفي لأصف ما تركت قصتك من متعة فكرية وشجن يملأ الروح.
    لأسلوبك وعرضك مذاق خاص.
    شكرا للسماح لي بالتحليق في سموات نصوصك.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s