الوقت لم يحِن بعد

الوقت لم يحِن بعد

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الايطالي لوتشيانو نيزو

كان انتشار الوباء يصل إلى مشارفه التي لم تتضح معالمها بعد. الأرقام بدأت بالانحدار، والعوارض بدأت بتخفيف حدّتها بعد أن تحوّرت الجرثومة إلى أربعة أشكال معمّمةٍ، أبقى الكوكب على أضعفها بحكم عدم قضائه على الجسد الحاوي له.


لم تكن قراءاته تقتصر على كتب الطِّبّ، هو كان عاشقًا للآداب وللتّاريخ قبل أن يبدأ بالتّبحُّر في عالم الخلايا والأنسجة والأنزيمات. 

كان قد حفظ جيِّدًا درس التَّاريخ المكتوب، أو ربّما المعروف الذي أبقت عليه المجتمعات المنتصرة في الحروب: “كلُّ قرنٍ تقريبًا يبدأ تغيُّير وجه الكوكب بوباءٍ واسع الانتشار، تليه حربٌ تضاهيه انتشارًا، ثم يتغيَّر شكل الاستعمار”.

ودَّع مريضه الصغير بعد أن حيّاه على طريقة ال High Five، ثمّ قام برشّ الأيدي الأربعة بالمُطهِّر بعد أن فتح لهم الباب للخروج، قبل أن يبدأ بروتين تعقيم العيادة استعداداً للمريض التالي. 

نظر بطرف عينه إلى شاشة هاتفه العريضة، كان تطبيق الأخبار قد قام بتحديث ذاته تلقائيًّا، وصل الجيش الرُّوسيُّ إلى مشارف كييف.


كانت حبوب سبحة التّاريخ تتابع انسيابها المنطقيّ. 

وجّه جهاز التّعقيم إلى الأعلى لبضع ثوانٍ وهو ينظر إلى شاشة التّلفيزيون في غرفة الانتظار. كانت أعمدة الدُّخان تتصاعد فوق مباني المدينة التّي يشتعل بعضها. عادت إليه صور أعمدة الدُّخان وهي تعلو بيروت وصوت طائرات العدو تدنِّس فضاءات الوطن. طرد تلك الصّورة المؤلمة سريعًا من باله والتفت إلى الجالسين في الغرفة. 

  • “أستطيع الذهاب يا دكتور؟” سألت السّكرتيرة، “لم يبْقَ سوى مريضك الأخير”
  • طبعًا لا مشكلة، الله معك.

هو كان اعتاد على مغادرتها باكرًا بعدما قلَّل صاحب العيادة المُشترَكة من ساعات العمل بعد بداية الأزمة.

  • “جبنا النَّتيجة من المختبر يا دكتور وجينا دغري” سارعت الوالدة بالقول وهي تعطيه المغلف
  • –       “كيف أصبحت اليوم؟”، سأل الفتى الذي كان يدخل الغرفة بخطًى متعثِّرةً ومتقلقلةً بعض الشّيء ولكن أكثر استقرارًا وبشكلٍ واضحٍ ممَّا كان عليه منذ أربعة أيَّام.

راقبه عن كثبٍ وعن بُعد “مَشْيْتك أحسن اليوم”.

  • صحيح دكتور ولكن عنده الدُّوار لا زال مستمرًّا، ولا يستطيع التَّركيز في خلال الدَّرس، وعنده امتحاناتٌ الأسبوع المقبل

كانت حالة ذلك الطِّفل من الغرابة بمكان. منذ أسبوعٍ وهو يحاول تشخيص سبب تدهور هذا الطِّفل بهذا الشَّكل الغريب والمفاجئ. فمنذ أسبوعٍ بدأت حركته بالتَّثاقل ومشيته بالتَّعثُّر الواضح دون أي علامةٍ أخرى عدا إحساسٍ بنوعٍ من الدُّوار الدّائريّ الغريب الذي لم يكن ليعيق حركة الفتى بشكلٍ واضحٍ. كلُّ الفحوصات التَّي أجراها لم تحمل نتيجةً إيجابيَّةً من صورة الرَّنين المغناطيسيّ للرَّأس، إلى كافَّة فحوصات الدَّم والتَّخاطيط جميعها كانت سليمةً.
لم يجد من حاجةً لإدخال الفتى المستشفى لإجراء الفحوصات، فهو كان مستقرًّا سريريًّا، إضافةً أنَّ تكاليف الطَّبابة باتت هستيريَّةً في ظلال الأزمة، ففضَّل أن يترك للوالدين حرِّيَّة اختيار المختبرات الأقلَّ كلفةً.


كان قد مضى شهرٌ تقريبًا على شفائهم من الكورونا. أفراد العائلة الأربعة أظهروا نتيجة فحص 
PCR إيجابيّ لتلك الجرثومة. وحده هذا الفتى أتت نتيجة فحصه سلبيَّةً، ولذلك أصرَّ على إجراء فحص ال PCR من جديد والنَّتيجة أتت سلبيَّةً من جديد.


– “ولكنَّه اليوم لا شكّ أفضل من الأيام السَّابقة”، أكملت الوالدة بنوعٍ من الرَّاحة.

  • “صحيح كلّ يوم عم صير أحسن شوي” أردف الفتى وهو يشدُّ من عزيمته ليقوّم مَشيته قدر المستطاع، فنجح في الوصول إلى الكرسيّ بخطى شبه ثابتة.


كان متفاجئًا من هذا التَّحسُّن الواضح لهذه الحالة التي لا زالت الألغاز تغلِّف حناياها. كان احتمال التهابات الأذن قد تم نفيه من قبل طبيب اختصاصيٍّ، وهو لم يوفّر مشورة طبيب القلب بل وحتى أجرى صورًا لشرايين الرَّقبة، وكلُّ ذلك أتى سليم النَّتيجة.
لم يتبق له سوى احتمالان، ولكنّ اضطراب الجَسْدَنة لم يكن واردًا عند هذا الفتى، هو يعرفه منذ زمن طويلٍ وليس لديه أي استعداد طبِّيٍّ أو اجتماعيٍّ ليقع ضحية مرضٍ نفسيٍ، وهو طبعًا لم يكن ليُعطي تشخيصًا مَجازيًّا قبل أن يكون قد نفى كل المسبِّبات العضويَّة.


– “شو يا دكتور طمّنّي”، ألحّت الوالدة وهي تلوّح بالمغلّف في وجهه.


تناول المغلف منها وسارع إلى فتحه وما هي إلا لحظات وانفرجت أسارير وجهه.

 
– “بسيطة يا مدام، إنه يتعافى من حالة الكورونا”، كانت نسبة المضادات العضويّة المؤقتَّة من نوع 
IgM المضادَّة لجرثومة الكورونا مرتفعةً بشكلٍ ملحوظٍ، مما يؤكِّد إصابة الطِّفل بهذه الجرثومة منذ فترةٍ وجيزةٍ جدًّا.


– “بس يا دكتور إل 
PCR طلع نظيف”

  • صحيح يا سيِّدتي، ولكنَّه فحص يخضع لعدَّة عوامل، منها توقيت وكيفيَّة أخذ العيِّنة من الأنف والحنجرة، ويحتمل الخطأ، أما فحص الدَّم فيفوقه دقَّة.


كان الأطفال من الأكثر حظًّا مع هذه الجرثومة، فمضاعفاتها تكاد لا تُذكر مقارنةً مع الفتك الذي أصاب البالغين قبل انتشار موجة التّطعيم.


لم يكن هناك ما يشغل البال بالنّسبة لباقي أفراد العائلة، فهم لا زالوا يحملون مناعةً جيِّدةً بعد الإصابة الأخيرة.

 
قام بإجراء فحص سريريٍّ روتينيٍّ للفتى ليُطمئِن باله على عدم بروز عوارض جديدة، قبل أن يُهدِّئ خواطر الوالدة ويطلب من الفتى التزام الرَّاحة في الأيَّام القليلة المقبلة مع إبقائه مطَّلعا على تطوُّر الحالة.


رافقهم مودِّعًا إلى باب العيادة الفارغة وعاد متمهِّلًا ليراقب مغيب الشمس.

نظر من النّافذة إلى امتداد المدينة نحو انحدار المدى. كانت صورة سحب الغيوم السّوداء مغطِّيةً سماءها لا زالت تهاجم صفاء ذاكرته، رأى من جديدٍ خيالات طائرات العدوّ تلقي نتاج وحشية البشر على البشر، مبرهنة أن الدّين لا يسكن إلَّا في قلوب الذين يرضون بالسير على درب الجلجة، جلجلة البشر وجلجلة الآلهة. وحتى يومها كان هناك كائن حيٌّ قالها بملء فمه “لم يحن بعد الوقت لإنهاء الحرب”. يومها كان العالم يلهو إذ يتفرّج و يملء فراغ وقته بمشاهدة تلفزيون الواقع المنبثق من وحشيَّة البشر. 

نظر ثانيةً إلى شاشة التّلفزيون وأحداثها الشّيّقة المتسارعة خلف ضيفٍ عالمٍ بكلِّ خفايا السِّياسة، تناقشه مذيعةٌ تمرّست فن التَّحليل، وكلاهما في مقعد وثير يفكّران بجهدٍ حول معطيات الأحداث، و لكن بصوتٍ عالٍ يسمعه المشاهدون. 

حمل جهاز التّحكم عن بعد، رفعه وصوّبه نحو تلك الشَّاشة مُطلِقًا شعاع رحمةٍ غير مرئيٍّ حوَّل الشَّاشة إلى لوحة سوداء. 

أغمض عينه وتلى في فكره صلاةً صامتةً قبل أن يغلق الباب ويتوجه نحو المستشفى مديرًا ظهره لغروب الشّمس، و هو ينتظر أن يحين وقت سقوط حبّة جديدةٍ من سبحة التّاريخ.  

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s