نعم.. نحبها

نعم.. نحبها

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان الفلسطيني سليمان منصور

مذ نعومة أظفارنا ونحن نتعلم شعرا ونثرا يدعم في أرواحنا محبة بلادنا، والانتماء لها، والاجتماع على أننا أمة عربية واحدة، نترنم جميعا في حبها بنشيد واحد:

بلاد العرب أوطاني وكل العرب إخواني

أنا في أرض ليبيــا وسوريا ولبنان

أنا في تونس الخضراء أو مصر وسودان

أنا في كل أرض العرب أحيا بين أوطاني

أنا في كل أرض العرب أحيا بين أخواني

هكذا كنا نردد في أناشيدنا، في صحونا ونومنا: بلاد العرب أوطاني، وما نحبه لوطننا الأم بالتأكيد نحبه لكل الأوطان العربية بلا استثناء، لذا يدهشني هذا السؤال كلما وجه إلي: هل تحبين الكويت؟، فأجيب ببسمة تعجب وصمت، فالجواب معروف بدهيا، إذ كيف أفصل في عاطفتي قطعة من أرض وطننا العربي، وشريكة في الثقافة، وقرينة في العادات والتقاليد فلا أخصها بحب وتقدير؟، ويحزنني كثيرا ما أرى من تهكم البعض من الكويتيين إن عبرنا عن حبنا للكويت، فيطلقون اتهامات بالنفاق والكذب خلف ظهورنا، أو نسمع تعليقا فرديا مغرضا: “هذي مو كويتية”، نعم لست كويتية المولد ولا المنشأ، لكنها العروبة والإسلام، والحنين الذي يعترينا إلى أرضها، وصحبتنا وجيرتنا فيها، وإلى أماكن تحمل أشجاننا، ألا يكفي هذا كله أن يكون جوازا للمرور إلى كويتيتكم؟! 

  ربما يتناسى هؤلاء أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، يميل أينما حل لبناء علاقات اجتماعية تربطه بالمكان والأفراد القاطنين فيه، وبذلك تنشأ الألفة بينه وبين المجتمع، وينمو الانتماء، ويزهر الحب، وقد تناسى هؤلاء أننا بنينا معهم صداقات ومعارف، وتبادلنا الخبرات، وربينا الأولاد والبنات، وعاقرنا ما يؤمنون به من عادات، وربما تحدث بعضنا بما يميزهم من لهجات أو تأثرت لهجتنا بها على مر السنوات، وصرنا نَحِنُّ إلى ديارهم كلما فارقناها كما نحن إلى ديارنا، ونفتقد الصحبة والجيرة والزملاء، نفتقد رائحة الأماكن، فقد ارتبط كل مكان بذكرى تجمعنا مع من نحب، أو حتى من كنا معه على خلاف، إنها الذكريات، ذلك العالم العجيب الذي يسرقنا من أرواحنا إلى الأماكن والأشخاص والأزمنة والأشياء جميعا.

والعجب كل العجب لمن يرفعون عقائرهم بحب الكويت وهم أبعد عن ذلك بتصرفاتهم وممارساتهم اليومية، وما سألوا أنفسهم أبدا: ماذا يعني حب الكويت لنا؟ وكيف يمكن أن نعبر عنه؟، كيف نثبته عمليا على أرض الواقع؟

 إن من أقسى ما آلمني ذات يوم، وأنا أسير بصحبة صديقة إنجليزية من أصول عربية لم تكن قد أمضت على وصولها الكويت عدة أيام، وأخذت على عاتقي أن أعرفها ببعض شوارع الكويت الرئيسة، وشيئا من معالمها، وأثناء جولتنا بالسيارة في أحد أهم الشوارع تفاجأت وهي تصرخ متأففة وتشير إلى إحدى السيارات، وكنت قد انشغلت عنها قليلا بالطريق، تشير بعجب لما ألقاه من بداخلها من علب العصير وبعض المخلفات من النافذة، وهم يقودون قيادة أشبه بالجنون، ويعبرون من حارة إلى أخرى بطريقة لولبية استعراضية، غير آبهين بنظافة الطرقات، ولا آدابها، ولا الحفاظ حتى على أمن العابرين فيها، وعلقت بعبارة مستنكرة: أليست بلادهم التي يملكون؟ كيف لا يحرصون على نظافتها وأمنها؟

 لم أجد في جعبتي ما أرد به غير صمت ممض ونظرة بلهاء، وتذكرت ما يحدث في بلادنا جميعا، بلاد العرب، وتحسرت على تعاليم ديننا التي نضيعها بسفاهتنا وتراخينا وإهمالنا.

نعم، هؤلاء جميعا يحبون الكويت من قلوبهم، ويتفانون في إثباتهم لهذا الحب كل بطريقته، ونحن أيضا نحبها، ولنا طرقنا في الإعراب عن ذلك، وتكفي اللبيب الإشارة. 

ماذا لو اهتدينا بأخلاقياتنا التي علمنا إياها رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، وابتعدنا عن التقاعس في العمل، والسعي في طلب العطل، وتعطيل مصالح العامة، والالتفاف على الأمور الهامة بتهميشها وتضخيم غثها؟

ماذا لو بدأنا من اليوم ببذل الجهد برضا وقناعة واثقين أن الأجر من عند الله الذي سمى نفسه الديان؟ ماذا لو آمنا أنه كما ندين ندان، ولا يبقى للإنسان غير ما قدم من عمل صالح يسعى به للإصلاح والتعمير؟ فالحب ليس كلمات تردد، ومشاعر تتبدد، إنما ترجمته العمل المخلص، والسعي المستمر لرفعة هذا الوطن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s