حالة طارئة

حالة طارئة

صالح الرزوق

اللوحة: الفنان الفرنسي غوستاف دوريه

كان النداء يصله حتى لو أنه يغط بالنوم. ليس له وقت ولا حدود مكان. وعلى الفور يجب أن يهب من فراشه ويحمل السجل، وهذا عبارة عن دفتر أوراقه من معجون الورق، وغلافه من الجلد، ولا شك أن وراء ذلك حكمة.

وبعد ذلك يرحل إلى البرج القديم، وهناك تتم الإجراءات، استلام وتسليم، انتقال من وعي زائف إلى غيبوبة حقيقية.

هو يؤكد أن العالم التالي ليس إلا طورا آخر، إنه مثل السفر عبر خط الأفق البعيد والرفيع. 

حقا هو لم يشاهد ذلك، ولكن كان لديه زملاء يتركز نشاطهم هناك، وهم من طبيعة مختلفة، ولهم صور غير هذه التي نراها بالمرآة…

إنهم يعكسون الطبيعة المعقدة لهذا الوجود، طرف الخيط الآخر، أشياء موجودة نشعر بها، ولكن لا نراها.

في أية حال، كان النداء يأتي إليه بصوت دقات ناقوس، أو ضربات خفيفة على الباب، وأحيانا بشكل حلم أثناء الكرى.

ولأنه يقطن على ضفاف نهر مجهول، لا نعرف ما هو اسمه، ولا توجد إشارة تدل عليه في الخرائط، كان يحتفظ بقارب شراعي مع مجداف. لم يكن يحبذ التجديف في الشتاء، آنذاك تكون المياه راكدة، ومغطاة بأوراق الأشجار، طبقة سميكة من هذه الأوراق نصف الخضراء، ونصف المرجانية، تنهمر من ماء الأمطار، حتى يصبح النهر أشبه بطريق أو مرج بامتداد البصر، أشبه شيء باليابسة.

وهو كان يمقت ذلك لأنه يشوه صورته أو انطباع خياله فوق الماء، ما بالك إذًا لو أن الشمس على وشك المغيب، وأشعتها الأخيرة تنكسر فوق أطراف الأوراق وتلهب عينيك. إنها تحرق تلك الأحلام الرقيقة المنتظرة، تحولها إلى رماد أو وحل، إلى كتلة صماء من غير شكل.

وهناك على الضفة الأخرى، يربط قاربه بشجرة فقدت كافة أوراقها، شجرة صلعاء، لم يتبق منها غير فروع يابسة وميتة، فروع داكنة ومسننة. ثم يحمل دفتره بأوراقه التي لا تحصى، والتي يغطيها غبار السنين، ويتابع حتى البرج.

ودائما يجب أن يصل بالدقيقة والساعة، وإلا فسدت المهمة.

ولكن في هذا اليوم بالذات اختلطت عليه الأمور.

بينما كان يصعد إلى برجه تلبية للنداء المعتاد، وبينما هو في أروقة الطابق الأخير، يبحث عن الردهة، اضطر للتريث قليلا في منتصف الرواق (ياء). هناك كان يرى دائما حوضا لزهور بيضاء، وهي ناصعة وشفافة، وتورق مثل القطن المندوف، ولكن في هذه المرة كانت كامدة، كأنها على وشك الذبول.

إشارة محزنة توجس منها.

وصدق حدسه. بعد عدة خطوات شاهد خيال رجل في ربيع العمر، وكان يحتضر، من غير شك إنه على شفا..

لقد شاهد ورقته عند موطئ قدميه، وكانت يابسة، وفي الهزيع الأخير.

تعامل معه على أنه حالة طارئة.

فتح دفتره، ومن بين أوراقه ثارت زوبعة الأرواح على شكل سحابة من الغبار. وفي أول السطر سجل اسمه… والتوقيت… واسم هذا اليوم.

ثم تابع إلى الردهة المعتادة..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s