النشالون – للكاتب المجري دانييل لفانتي بال

النشالون – للكاتب المجري دانييل لفانتي بال

ترجمة: د. عبدالله عبدالعاطي النجار – محمد سعد صالح

اللوحة: الفنان المصري محمود سعيد

سأرحل عن هنا بصعوبة. ليته لا يحدث أن ترحل هذه الحياة عن هنا وتترك هنا بقايا البشر، المتقاعدين ذوي رائحة الأسماك المعلبة، والسيدات ذوات النظارات الشمسية، المطلية بالكريمات الفرنسية، وهناك العم أرنو الذي يجول من أجل الحصول على شطيرة من الخبز، علاوة على كلاب داشهند* السمينة، والفتاة النصف غجرية التي تدفع عربة الأطفال، فضلا عن الفتاة الأخرى ذات القوام الممشوق التي انتقلت إلى هنا للتو، وقوادها ذي الرأس الذي يشبه رأس الفأر.

وعادة الشخصين الأخيرين أنه، في أي وقت من اليوم، عندما تتوقف سيارة عند حافة الرصيف، ويفتح سائق السيارة النافذة، ويسأل كم يتكلف الأمر، فهو يرغب فيها ولكن بطريقة ذكية فقط، لأنه لا يمكن الحصول على مثل هذه المرأة الجميلة على الإنترنت حتى مقابل مبلغ كبير. حينها تقوم الفتاة بإبراز جسدها الرشيق ومفاتنها وهي تنحني فوق حافة نافذة السيارة المفتوحة، أما قوادها فلا ينظر إليهما، إذا لم يتفقا على السعر. بصق قائد السيارة جانبا وبدأ في السب واللعن، وقلل من قدراتها وجمالها، ولتكتمل القصة يبدأ في الصياح عليها بصوت عالٍ، حتى يتمكن الجميع من رؤية الرجل المثير للشفقة ولوحة سيارته وهو يصرخ باتجاه إشارة المرور عند التقاطع، يا له من شيء غير أخلاقي أن يفعل ذلك بينما أطفاله يبكون في المنزل، هذا شيء مؤكد تماما…

في المقابل، إذا اتفقا، فتركب الفتاة بسرعة إلى جوار الرجل في المقعد الأمامي، وتطلب منه أن ينطلق مبتعدا حتى لا يرى أحد هنا من أي شيء تعيش وكيف تعمل وتتكسب الفتاة، وماذا تفعل نظير هذه النقود، والرجل يفهم ذلك، وكيف لا يفهم ذلك، وهو الذي يضغط بقوة على دواسة البنزين، وينعطف عند الزاوية، قبل إشارة المرور، ويتوقف بعيدا قليلا في الميدان أو في أحد الشوارع المجاورة. وكرجل محترم يلقي بنقود معدنية في ماكينة موقف السيارات، ويدخل الموقف ويبحث عن مكان يصف فيه السيارة، ثم يشرع في مداعبة الفتاة على المقعد أو عند إحدى البوابات بجوار سلال القمامة… وفي ذلك الوقت أو بعدها بلحظات قليلة – كل هذا يتوقف على مدى بعد المكان الذي صُفَّت فيه السيارة – إذ بشخص ينقر على نافذة السيارة أو يضرب على كتف الرجل من الخلف. بالتأكيد، إنه القواد ذو الرأس الذي يشبه رأس الفئران، الشخص الذي تبعهما من البداية إلى النهاية منتظرا اللحظة المناسبة، ويخبره أن كفي استمتاعا، ألا يخجل من الإقدام على هذا الفعل في وضح النهار. يا له من أمر مذهل! يقول القواد للرجل أعطني النقود واغرب عن وجهي، فيعطيه الرجل عشرين ألف فورنت حتى ينهي الأمر بسلاسة. لقد تم تسجيل فيديو بواسطة الهاتف عن كل شيء. بالطبع لا تريد أن يظهر وجهك ولوحة سيارتك على صفحات الإنترنت، وكذلك لا تريد أن تتعالى أصواتنا هنا صياحا وصراخا، لا ترغب في ذلك، أليس كذلك، ويتفقا بالفعل. لا أحد يريد أن يظهر على شبكة الإنترنت أو يحدث صياح وضجيج بسبب ذلك… تنهض الفتاة في تلك الأثناء، ولا تنظر إلى الرجل، وبينما تدير رأسها، يلمع في عينيها النفور والبغض والاشمئزاز، ثم تعانق قوادها وينعطفان يسارا مغادرين…

هؤلاء جميعا ستتركهم الحياة هنا إذا رحلت، بفضل إعادة التأهيل الحضري، والتنمية الحضرية، والبناء والتشييد، إذا واصلت الحياة رحيلها من هنا إلى مكان ما. وحينئذ ماذا سيبقى هنا؟ سلام، هدوء، صمت، ومتجر صغير يغلق عند الساعة العاشرة مساء، انطواء ووحدة، عزلة مرئية وغير مرئية، جدران منازل صامتة في مللها، قصص وحكايات غير مكتوبة واستطباق**.


*سلالة من سلالات الكلاب قصيرة الأرجل وطويلة الجسم. تم تطوير سلالة داشهند ذات الحجم القياسي من أجل الرائحة والمطاردة وطرد حيوان الغرير وغيرها من الحيوانات التي تقطن الجحور، في حين أنه تم تطوير داشهند الصغير من أجل صيد الفرائس صغيرة الحجم مثل الأرانب. [المترجم]

**السراوة أو الاستطباق‏ في المناطق الحضرية هو احلال الطبقة المتوسطة من المجتمع بطبقة أرقى منها نتيجة لزيادة القيمة الايجارية للوحدات السكنية بسبب ما طرأ على المناطق الحضرية من مشروعات التحسين والتطوير الحضري بالإضافة إلى الحالات الفردية من المستأجرين أصحاب المهن الابداعية والابتكارية متزامنة مع اصطحاب أصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في مجال الخدمات الترفيهية والترويحية مثل المطاعم والكافيهات جاذبة المزيد من الاستثمارات مما يستدعي السكان الاصلين للرحيل عن المنطقة لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة ودفع الايجارات بعد ما طرأ على المنطقة من تغيير. [المترجم]


قصة قصيرة من كتاب «جيران القديسة ماجدولنا» الذي سيصدر خلال أيام عن الدار المصرية للطباعة والترجمة والنشر بالقاهرة.


دانييل لفانتي بال

دانييل لفانتى بال “Pál Dániel Levente” كاتب وشاعر ومؤلف مسرحي مجري شهير، ترجمت أعماله إلى عدة لغات أجنبية من بينها العربية، منها ديوان “لم نعش سدى” عن دار نشر الأدهم في عام 2020، والقصص الصغيرة “الحي الثامن – بودابست” عن الدار المصرية للطباعة والترجمة والنشر بالقاهرة في عام 2021.

د. عبدالله عبدالعاطي النجار

د. عبدالله عبدالعاطي النجار: مؤرخ ومترجم وباحث مصري. له أكثر من 31 كتاباً مترجما، و14 كتاباً من تأليفه، إضافة إلى أكثر من 40 بحثاً بالعربية والإنجليزية والمجرية منشوراً في دوريات محكمة. 

أ. محمد سعد صالح: مترجم مصري تخرج في كلية الألسن بالقاهرة قسم اللغة الألمانية والمجرية. كما درس بجامعة إتفوش لوراند الشهيرة بالمجر. لدية بضعة كتب مترجمة صدرت بمصر. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s