رمضان في بني مجد (2)

رمضان في بني مجد (2)

د. جمال عبد الرحمن

اللوحة: الفنان المصري محمد شافعي

الفانوس

كانت القرية -بعد المغرب بساعة- تغوص في ظلام دامس، إذ كانت مصابيح الجاز الضعيفة تضئ إحدى حجرات المنزل بالكاد. كان السير في الشوارع مغامرة، إلا في الليالي المقمرة. لذلك كان دخول شهر رمضان يشكل تحولا نوعيا في حياة القرية: للمرة الأولى تضاء الشوارع بقرار من الأطفال. كنا نسمع عن شئ اسمه فانوس رمضان، يحكى لنا عنه أطفال آخرون رأوه بأعينهم في القاهرة. ربما كان ثمنه يصل إلى خمسة قروش كاملة، وهو مبلغ لا تستطيع الأسرة أن تتحمله، خاصة إذا كان البيت يضم عشرة أطفال. لذلك كان الفانوس في بنى مجد من صنعنا نحن: زجاجة صغيرة، علبة صفيح صغيرة فارغة، فتيل، سلك. كنا نقص علبة الصفيح بشكل دائري، بحيث يدخل فيها عنق الزجاجة، فتكون العلبة متعامدة على الزجاجة. ثم نصل العلبة بسلك يعمل كمقبض للفانوس. قبل ذلك نحدث في العلبة ثقوبا تسمح بدخول الهواء حتى لا ينطفئ الفانوس. أما “الجاز” فكنا نأخذه خلسة من الزجاجة الكبيرة في البيت، وكان الأطفال يتعاونون: أحدهم يراقب الأم، بينما يقوم الثاني بملء زجاجة الفانوس بالجاز (أدركنا بعد ذلك أن الأمهات كن يعلمن، ولكنهن يتظاهرن بعدم العلم حتى لا نسرف). هذه العملية تتم في العصر، ويوضع الفانوس في مكان أمين حيث نتسلل بعد الإفطار، يحمل كل منا فانوسه، لكى نتجمع ونسهر سويا.

لعب الأطفال

ما إن ننتهى من إفطار المغرب ومن آخر “شفطة” في “كباية” الشاي حتى يبحث كل طفل منا عن فانوسه فوق الفرن (يكون قد عبّأه بالجاز بعد العصر)، يشعل الفتيل، ويمشى مزهوا باتجاه الباب الخارجي، بحثا عن أقرانه. إذا تأخر الطفل في “عملية” الخروج كان يسمع صوت الأطفال الآخرين وهم يستحثونه. أحيانا كان ذلك النداء مهمّا، فلو كانت الأم تعترض على خروج ابنها فإن نداء الأطفال عليه كان يرجّح كفة السماح له بالخروج. تقول الجدة “خليه يلعب. كل العيال في الشارع”، فينطلق الطفل كالسهم، دون انتظار إذن الأم، لأنه يعلم أن شفاعة الجدة لا ترد، وينضم إلى مجموعة الأطفال. يحمل كل منهم فانوسه فتتكون بقعة ضوء في ظلام القرية الدامس. يلعب الأطفال ويلعبون، إلى أن يسمعوا صوت أم أحدهم وهى تنادى: “يالله يا واد. كفاية لعب”. يحتج الأطفال، ويرجون أم زميلهم أن تسمح لابنها بوقت إضافي فتسمح. أحيانا كان الأطفال يقررون العودة إلى بيوتهم من تلقاء أنفسهم، لو لاحظوا أن فوانيسهم لم تعد تضئ شيئا، فقد نفد الجاز منها، فذبلت الشعلة. هنا يتفق الأطفال على العودة، منتظرين بفارغ الصبر مجئ الليلة التالية.


رمضان في بنى مجد (1)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s