رمضان في بني مجد (6)

رمضان في بني مجد (6)

د. جمال عبد الرحمن

اللوحة: الفنان المصري حسين بيكار

استعدادات رمضان

قبل أيام من صعود الشيخ سالم مئذنة الجامع الغربي لاستطلاع هلال شهر رمضان، كان عمى يحيى يضع قوالب الطوب اللبن أمام بيته المواجه للجامع. يرصّ القوالب على شكل دائرة قطرها متر تقريبا، ويبنيها بذلك الشكل الأسطواني بارتفاع يزيد عن المتر قليلا. في أسفل البناء كان يترك فتحة تكفى لإدخال عيدان البوص الجاف، وفى الأعلى كان يضع بلاطة من الطين، أو صينية من الصفيح، قطرها متر. كان ذلك شكل الفرن البدائي، فلم تكن القرية تسمع عن البوتاجاز، إذ كان حكرا على أهل القاهرة والاسكندرية وبعض المدن الأخرى. كان عمى يحيى يدخل البوص من الفتحة السفلى ثم يشعل النار فيه، ويعود ليمسك “الكوز” المخروم، بعد أن يملأه بالعجين السائل، ليصنع من كل ذلك الحلوى الوحيدة التى كنا نعرفها والتى لم نكن نراها إلا في شهر رمضان: الكنافة.

الكنافة

أما “حلويات رمضان” في بنى مجد فكانت نوعا واحدا يتيما: الكنافة، فلم تكن القرية تعرف القطايف ولا غيرها، ولا كانت تعرف ترف “الياميش”. وكنافة بنى مجد كانت غليظة القوام: “كوز” من الصفيح، به عدة ثقوب من أسفل، بفعل مسمار كبير. وكان “عمى يحيى”، رحمه الله، يجهّز الفرن عندما يعلن الشيخ سالم ثبوت الرؤية، ففي اليوم التالي، بعد العصر، كان أطفال الأسر الثرية وشبه الثرية يذهبون إلى هناك، عند الجامع الوسطاني، ويشاهدون على الطبيعة عمى يحيى وهو يجهز الكنافة الفريدة: يملأ “الكوز بالعجين السائل، فيسقط على سطح الفرن من خلال الثقوب الواسعة، مكونا خيوطا غليظة، تستوي بفعل النار لتكون خيوطا متماسكة، يحملها الطفل إلى أمه لتأكلها الأسرة في السحور. كانت الأم تكتفى بتسخين الكنافة ووضع السكر عليها. أما الزبيب وخلافه فلم تعرفه القرية إلا بعد أن سافر أبناؤها إلى البندر، أو بعد أن دخلت الكهرباء القرية ودخلت معها برامج المطبخ بيوت أهلها.

العشر الأواخر

تستمر أيام رمضان ولياليه في القرية على وتيرة واحدة تقريبا. خلال النهار يعمل الرجال في الحقول، وتقضى النساء يومهن في أعمال البيت، والأطفال يلهون أغلب الوقت، ويؤدون مساعدة مفيدة في قليل من الأحيان. وفى الليل يذهب الرجال إلى المساجد الثلاثة في القرية لأداء صلاة العشاء والسمر قليلا، بينما “يسهر” الأطفال في الشوارع الصغيرة إلى أن تذبل فتائل فوانيسهم فيعودون إلى بيوتهم في الظلام دون خوف، وهم على يقين من أن العفاريت لا تظهر في الشهر الكريم. فجأة يأتى صوت الشيخ سالم، وهو أقرب إلى البكاء، داعيا “لا أوحش الله منك يا شهر رمضان، لا أوحش الله منك يا شهر الصيام”. إذن فقد بدأت العشر الأواخر من رمضان. أما الرجال فبعضهم يذهب إلى المسجد ولا يعود إلا مع ثبوت رؤية هلال شوال، وأما النساء فأمامهن عشرة أيام لخبيز “الكحك” والعيش الشمسي يوم الوقفة، وأما الأطفال فيتوزع شعورهم بين الحزن على انتهاء الهدنة مع العفاريت، وما يترتب عليها من سمر جميل، وبين الفرح بقدوم العيد بعد أيام، ومعه الجلباب الجديد، والحذاء الجديد (وإن كان بلا جورب)، ثم العيدية، والأمل في الذهاب إلى منفلوط لرؤية المحمل، والعودة إلى القرية محملين بالفول السوداني والحمص وبعض الحلوى.


رمضان في بنى مجد (1)

رمضان في بني مجد (2)

رمضان في بني مجد (3)

رمضان في بني مجد (4)

رمضان في بني مجد (5)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s