رمضان في بني مجد (7)

رمضان في بني مجد (7)

د. جمال عبد الرحمن

اللوحة: الفنان  المصري حسن محمد حسن

كسوة العيد

جرت العادة في بنى مجد أن يشترى رب الأسرة ملابس جديدة خلال شهر رمضان لنفسه ولمن يعول من الرجال والنساء والأطفال. في الحقيقة لم يكن يشترى ملابس، بل قماشا لا يكاد يستقر في البيت حتى يحمله أصحابه إلى الخياط. كان رب الأسرة يذهب بمفرده غالبا لشراء القماش من منفلوط، وكان يشترى لونين لا ثالث لهما: أحدهما رجالي لنفسه ولأخوته ولأبنائهم جميعا (غالبا كستور مخطط، ويشمل الأطفال الذكور أيضا)، والآخر حريمي لزوجته وزوجات اخوته ولأخواته البنات (يشمل البنات الصغيرات كذلك). أما الرجال والأطفال فكانوا يذهبون إلى الخياط، وكان الخياط يأخذ مقاساتهم ويطلب منهم أن يمروا عليه ليلة العيد ليستلموا جلاليبهم. وأما النساء فكنّ أسعد حظا، إذ كانت الخياطة هي التي تذهب إلى البيت، وكانت ترسل الملابس بعد خياطتها قبل العيد بأيام. يوم الوقفة كنا نذهب إلى الخياط، وكنا نراه وهو يضع اللمسات الأخيرة. في صباح يوم العيد كان الأب يصطحب اخوته الصغار وأولاده إلى المصلى، قبلي الجسر، حيث صلاة العيد، وكنت تستطيع تمييز أفراد الأسرة الواحدة من لون الجلاليب. بعد العودة يقدم الإفطار، ثم الكحك، وهو يختلف تماما عن الكحك الذي يقدم حاليا.

“كحك” العيد

مثل كل مفردات الحياة في بنى مجد كانت البساطة هي السمة المميزة. كانت القرية تعرف أنواعا محدودة من الأطباق، لا يستغق إعداد الواحد منها وقتا طويلا، (تأمل مثلا أن حجم “صابع” محشى الكرنب كان يعادل خمسة أمثال نظيره الحديث، بحيث كان إعداد حلة المحشي ينتهي في دقائق) فلم يكن هناك وقت فراغ عند المرأة. لم يكن الأمر يختلف كثيرا بالنسبة لمخبوزات العيد، فلم تكن متنوعة ولا كان إعدادها يستغرق وقتا. “كحك” القرية يختلف تماما عن نظيره في القاهرة، من حيث الشكل ومن حيث الفائدة. أما من حيث الشكل فهو عبارة عن دائرة سميكة مجوفة تخلو من السمن تقريبا. وأما من حيث الفائدة فإن تلك المخبوزات كانت تغمس في الشاي فتشكّل إفطار الفلاح قبل ذهابه إلى حقله. من العجينة نفسها كانوا يخبزون “الفايش” وهو شرائح سميكة تخلو من السمن، وتؤدى مهمة الكحك نفسها. المهم أن خبيز الكحك كان يمثل بهجة لأهل البيت ومتعة للأطفال، وكان ينتهي قبل يوم الوقفة بالضرورة، حيث يخبزون العيش الشمسي.

زكاة الفطر

استحدث أهل بنى مجد طريقة عجيبة في دفع زكاة الفطر إلى الفقراء لا تجرح مشاعرهم: كان أي شخص يضع نقودا في يد أى شخص، فقيرا كان أم غنيا. أما الغنى فكان يتسلم القروش القليلة ثم يضيف إليها قروشا أخرى ويعطيها لشخص آخر، وأما الفقير فكان يضع النقود في جيبه لكى تستقر حتى يعود إلى بيته فينفقها. بهذه الطريقة كان كل الناس يتلقون نقودا من الآخرين، ولم يكن هناك ما يدل على أن هذا فقير وذاك غنى. كانت “العملية” تتم داخل المسجد في العشر الأواخر من رمضان بعد كل صلاة. وقد شاهد الطفل أغنياء القرية وهم يتلقون نقودا داخل المسجد، فلما سأل أباه عرف السبب. ذهبت أيام الزمن الجميل، وذهبت معها قيم كثيرة، منها تلك الطريقة الفريدة في دفع زكاة الفطر التى تحفظ للفقير ماء وجهه.


رمضان في بنى مجد (1)

رمضان في بني مجد (2)

رمضان في بني مجد (3)

رمضان في بني مجد (4)

رمضان في بني مجد (5)

رمضان في بني مجد (6)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s