عمليّة في البرّيّة

عمليّة في البرّيّة

د. هشام منصور

اللوحة: الفنانة اللبنانية سيتا مانوكيان

كانت ليلة الأمس مرهقةً ككلِّ ليالي المخيَّمات الصَّيفيَّة التي عهدها.

كان يفترض بسهرة النَّار أن تنتهي حوالي السَّاعة التَّاسعة والنِّصف، ممَّا يسمح لكلِّ مسؤول خيمةٍ بمساعدة أطفال خيمته على ترتيب أمورهم، والخلود إلى النَّوم قبل إطفاء أنوار الخيم عند السَّاعة العاشرة تمامًا.

ذلك كان النّظام المكتوب ولكنّه لم يكن يمتُّ إلى حقيقة الواقع بِصِلةٍ.

 كان الجميع يعلم استحالة الالتزام بتوقيتٍ ثابتٍ مع مجموعة أطفالٍ لم يمضِ بعد أكثر من يومين على تعرُّفهم على بعض عند بداية المخيّم.

فالفوضى بعد السّهرة اللَّيليَّة هي من مؤشِّرات نجاح انطلاقة المخيّم ودلالةٌ على بداية استتباب الإلفة بين الأطفال. وطبعًا لا لذَّة لمخيَّم صيفيٍّ دون وجود مجموعةٍ من المشاغبين الذين يُعطون للنّظام لذَّة مكانها ليس في البرّيّة.

لم يكن هذا مخيَّمه الصَّيفيّ الأوّل ولكنّه ربّما سيكون الأخير.

كانت تلك المخيّمات بمثابة عمليّة تطهيرٍ ذاتيِّ وإعادةِ بناءٍ روحيٍّ، يُمضي خلالها بضعة أسابيع في البريَّة بعيدًا عن كلِّ أشكال التِّكنولوجيا والحضارة.

 فقط، مجموعة أشخاصٍ يعيشون سويًّا، بسلامٍ، في خيمٍ قماشيَّةٍ بين أشجار الصَّنوبر بعيدًا عن ضوضاء العالم الفوضويّ؟

هو يذكر كيف اصطحبه والده إلى مخيم الجمعيّة للمرّة الأولى، قبل يصير ذلك تقليدًا في السَّنوات اللَّاحقة. أمَّا هذه السَّنة، فهو كان يعلم أن ذلك كان صيفه الأخير الذي سيمتدُّ لثلاثة أشهرٍ تسمح له بعطلة طويلةٍ.

فهو كان أنهى للتَّوِّ سنته الرَّابعة في كلِّيَّة العلوم الطَّبِّيَّة، والتَّدريب في المستشفيات سيبدأ متقطِّعا في خلال السّنة الخامسة في تشرين قبل أن يصير تدريبًا متواصلًا يمتدُّ لاثنتي عشر شهرًا ابتداءً من السّنة السّادسة التي تبدأ في حزيران المقبل. وكان جميع الطلاب الذين سبقوه ينصحونه بإجراء بضعة أسابيع تدريبيّة في أحد المستشفيات وإن من خارج المنهج، وذلك تحضيرًا للانخراط في عالم المستشفيات. من حسن حظِّه أنّه لم يكن عليه الاختيار بين المخيّم وبين التّدريب. 

كان موقع المخيّم هذه السّنة مؤاتيًا ليستفيد من أشهر الصّيف من الناحيتين التَّرفيهيَّة والدِّراسيَّة. 

فالمخيّم قد تم تشييده في حقل صنوبرٍ على مقربة رمية حجرٍ من مستشفًى صغير في جبل لبنان. وكانت مديرة الجمعيَّة قد استحصلت ولصديقه على إذن إجراء التَّدريب الطَّبيّ نهارًا في المستشفى، يعودان بعده لمتابعة مهامهما في المخيّم. هو لم يستطع إقناع أحدٍ من زملائه في الجامعة سوى واحدٍ من أصدقائه بمشاركته هذه المغامرة الفريدة.

امتدّت سهرتهم حول نار المخيم الصّغيرة، بعد السّهرة الأساسيّة، إلى الواحدة بعد نصف اللّيل. 

كان مسؤولو الخيم قد تركوا الأطفال يخلدون للنّوم، واجتمعوا حول النَّار الخافتة، يتبادلون الطّريف من الأخبار والخفيف من المأكولات، مستمتعين بروعة نسيم اللّيل تحت أشجار الصنوبر، وبنغمات غيتارٍ شجيٍّ يلاعب أوتاره واحدٌ من المشاركين. كانوا جميعًا يغالبون النّعاس والإرهاق حتى أصابهم الإعياء فانطلق كلّ منهم إلى هدوء خيمته المكتظّة بالأطفال.

ولكن ذلك لم يمنعه من الاستيقاظ عند الصباح الباكر بنشاط، كان الضوء قد سبق شروق الشمس فبدأ بالاستعداد لإيقاظ الأطفالالمشاركين وهو يعلم مسبقًا أنَّ تلك المهمّة ستطول.

بدايةً فَتَح الرَّاديو واختار إذاعةً تبثُّ أغانٍ للسَّيِّدة فيروز، ووضع مذياعها على فوهة مذياع الميغافون، في محاولة لإيقاظ النّائمين بطريقةٍ حضاريَّةٍ، غالبًا ما تبوء بالفشل في البريّة بين الأشجار وزقزقة العصافير التي تزيد أغاني فيروز بهاءً وثراءً ممَّا يعود الأطفال إلى مملكة النّوم و الأحلام، فينتهي به الأمر إلى تسليم أحد الأطفال غطاءين نحاسيَّين كبيرين من المطبخ مع ملعقتين خشبيّتين، يتحولون في أيدي طفل ذا مخيِّلة عاديَّة إلى وسيلة إيقاظٍ تقليديَّة فعَّالةٍ.

لبس ما وجده لائقًا في الحقيبة الإضافيّة التي أحضرها معه هذه السّنة، وحمل سماعته، و خرج لملاقاة صديقه، و توجَّها سويًّا إلى المستشفى، بعد أن سلما أطفال خيمتيهما إلى عهدة مسؤولين آخرين.

نظرت مسؤولة الطَّابق إليهما نظرة تفحُّصيَّة شاملةً من رأسهما إلى أخمص القدمين، ولبثت تحدِّق هناك برهةً وقد لفتها لا شكَّ لون تراب المخيَّم الأحمر الذي لوَّن حذاءيهما وأطراف جواربهما البيضاء، ولكنَّها كانت على لطافةٍ وذوقٍ مميَّزَين في تعبيرها وبادرتهما بصوتها النّحيف “الطّبيب الجرَّاح يستطيع استقبالكما في غرفة العمليّات، تستطيعان مساعدته وهو سيقوم بشرح اللَّازم لكما”.

هكذا؟ بكل بساطة، مشاركة في عمليّة من اليوم الأول، كان ذلك بمثابة الفوز بالجائزة الأولى في اليناصيب بالنسبة إليهما، فهما ليسا حتى طبيبين متمرِّنين بعد، كان دخول غرفة العمليَّات بالنِّسبة لهما بمثابة الدُّخول إلى غرفة الملك في الهرم، هناك حيث الفرعون تحيط به الكنوز.

  • –       “ولكن عليكما البداية بغسل اليدين بطريقة التّعقيم” قالتها مسؤولة غرفة العمليَّات وهي تشير إلى المغسلة الخاصَّة، ولم تنس أن تذكِّرهما بين الفينة والأخرى بتكرار تنظيف أيديهما حتى المرفق مستخدمين الطَّرف الاسفنجيَّ، أما طرف الفرشاة فهو لتنظيف الاظافر.

قامت بفتح ثوبين جراحيَّين معقّمين وناولتهما إيّاهما ممسكةً بالنيلون ودون أن تلمس القماش.

مرّر ذراعيه بكلِّ تمعُّنٍ محاذرًا أن يلمس الطّرف المعقّم من الرِّداء، واستدار ليسمح لها بعقد الأطراف من الخلف.

  • –       “ثمانية أو سبعة ونصف” سألته وهي تعرض عليه القفَّازات
  • –       “ثمانية، … على ما أظنّ” أجابها بتردّد، لم يشأ أن يصارحها أنّ هذه هي المرّة الأولى التي يغسل فيها للمشاركة في عملية.

فتحت مغلّف القفّازات ووضعته على الطّاولة أمامه، فوقف أمام الطاولة مرتبكًا لا يدري من أين يبدأ.

ابتسمت أمام ارتباكه: “بسيطة، هلّق بتشوف الدّكتور وبتعمل متلو”

  • –       “أول مرة؟” سمع السّؤال بلهجة ضاحكةٍ من خلفه.

تقدّم الطّبيب وأمسك طرفي القفازين المقلوبين، وأدخل يده الأولى في الأيمن قبل أن يمسك القفاز الآخر من طرفه المعقّم.

كانا يراقبان مجريات العمليّة والدّهشة تعلو وجهيهما، كانت عمليّة تعديلٍ لحجم الأنف، لرَجُلٍ في مقتبل العمر.

كان الجرَّاح يتقدَّم بشكلٍ نمطيٍّ وعمليٍّ عَبرَ طبقات الجلد المتتابعة وهو يقوم بتنظيف الدِّماء تدريجيًّا حتى وصل إلى طبقة العظام.

  • –       “هنا يأتي دور أحدكما يا شباب، أنا سأتحكم بوضعيّة الإزميل، وليس عليكما سوى استعمال المطرقة” قال الجرَّاح وهو يمسك المطرقة المعقّمة بيده.

كانت تلك العمليّة الأولى التي يشارك فيها فعليًّا، ولكنّه لم يكن يمسك مبضعًا أو مقصًّا أو إبرةً بِخيط.

نظر إلى الإزميل أمامه ورفع المطرقة إلى الأعلى واستعدَّ ليضرب الضربة الأولى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s