الساعات

الساعات

خالد جهاد

اللوحة: للفنانة السورية مها إدريس

يعتقد البعض أن الغرق يحدث في أعماق البحار، بينما يغرق معظمنا في أحضان ذاكرته، فيطفو على سطح فراشٍ يتقلب بين جنباته، شارد الذهن، عاري الروح، دامع العين، يلتهم الندم قلبه محكماً سيطرته عليه داخل زنزانته، فينهش أفكاره ويربط أحلامه بساق طائرٍ يطلقه نحو المجهول الذي لا يعرف منتهاه، متوحداً مع حزنه، متوهجاً في عتمته، يكفيه من الأضواء شمعةٌ تتراقص في صحبته، يومئ لعقارب الساعة كي تتركه في خلوته، يهمس لنفسه التي تركها ترسم على دفتر طفولته، وعاد ليجدها وجهاً ثابتاً في مرآةٍ تتحرك في كل الزوايا، ينزع قناعاً تلو القناع بحثاً عن وجهه الذي اختفى خلف بحرٍ من الدموع دون أن يجد له أثراً..

فنسافر في رحلة النسيان مع حقيبةٍ من الصمت وجواز سفرٍ لمواطنٍ من جمهورية الغربة في مطاراتٍ تغص بالهاربين من جنون الحياة إلى لهيب التلاشي، فارين من ذاكرةٍ لم تعد تحتمل ذكرياتها، وتعداد خيباتها، والراحلين عنها وجعاً بعد آخر، تعدهم كالنجوم في السماء، حتى تغفو فيأبى الأرق أن يهبها حلماً يطيب به منامها، ويعيد إليها بعضاً من الأمان الذي تسرب كالرمال من بين أصابعها، متناثراً فوق جرحٍ من الخوف المعتق منذ آلاف السنين، وكأنه بات جزءًا منا..

فيفزعنا جرس الباب أو رنين الهاتف ممزقاً ثوب السكون المتهالك الذي يواري عورات الليل، ويواري معه وجوهنا التي نخبئ ذبولها ولهفتنا إلى صوتٍ لن يأتي، لكن موسيقاه لا تبارح آذاننا ومخيلتنا، وكأنه يحتضننا وسط سحابةٍ من رماد الماضي، حبلى بمشاعر لا تهطل على الروح لتحيي ما مات فيها، تعيش وحدها في بيتٍ قديمٍ بعيدٍ صدى الخطوة فيه أعلى من صوت قذيفة، وأنعم من مواء قطةٍ، تبحث عن قُوتها في مدنٍ تبكي بصمتٍ وكبرياء، وكثير ٍمن الرهبة والحسرة، يتبادل فيها البشر والحيوانات والأطياف النظرات الخجولة بعد أن خذلت الكلمات والأصوات حناجرهم، وعجزت أذرعهم عن احتضان أحبتهم واحتوائهم، مع أنها في أمس الحاجة إلى عناق دافئ تشعر فيه أنها متناهية الصغر، كقطرةٍ في محيط، وتتحول بعده إلى جبلٍ شامخ لا يحتمل وعورته سوى قطيعٌ من الماعز.. 

كانت الساعات عدوتنا فأصبحت الصديقة، تغني معنا أغنياتنا القديمة، وتحفظ أسرارنا، تعيش تفاصيلنا، تفهم أحاسيسنا وتؤنس وحدتنا، فبقيت حين رحل الجميع، وضمتنا حين التهمنا الصقيع، ووفت بوعدها فلم تتغير، لكننا ندرك معنى الحياة متأخراً، كمن يأت في الخريف ليقطف ثمار الربيع..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s