قراءة في رواية «بغداد وقد انتصف الليل فيها» لحياة الرايس

قراءة في رواية «بغداد وقد انتصف الليل فيها» لحياة الرايس

هناء غمراوي

استطاعت حياة الرايس من خلال سيرتها الروائية: “بغداد وقد انتصف الليل فيها”، وهي سيرة روائية عدد صفحاتها: 232، أن تنقل لنا صورة حقيقية عن هذه المدينة التي قصدتها بهدف الدراسة، وأعطت من خلال سيرتها النابضة بالحياة، صورة واقعية عن عاصمة عربية لعبت دورا هاما على الصعيدين الثقافي والسياسيّ، في مرحلة هامة من تاريخ العراق والمنطقة العربية عموماً. لدرجة أننا يمكننا القول بأنها استطاعت أن تؤرخ لمرحلة ذهبية من تاريخ هذه العاصمة العربية التي كانت مركزاً علمياُ وثقافيا يؤمّه الكثير من الطلبة العرب. ناهيك عن كبار المفكرين والروائيين؛ امثال جبرا ابراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيف، اللذين اتخذا من بغداد مقرا لإقامتهما مع عائلتيهما أيضاً. وذلك من غير أن تخالف شروط الكتابة في السيرة الذاتية ودون أن تبتعد عن الاسلوب الوجداني والذاتي الخاص الذي طبع الرواية منذ الصفحة الأولى. 

سردت حياة الريس سيرتها الروائية في خمسٍ وعشرين فصلاً. روت من خلالها تفاصيل خروجها من بلدها تونس والتحاقها بكلية الآداب في بغداد، ثمانينات القرن الماضي وهي ما تزال شابة صغيرة، متشبعة بكل الشغف للمعرفة والاكتشاف. ومتسلحة بدعم والدها الذي كان يرى في اتمام دراستها الجامعية، في عاصمة عربية كبغداد تحدياً كبيراً للاستعمار الفرنسي، الذي نشأ هو نفسه في عهده ما جعله يتقن الفرنسية بدل العربية، التي كان يتوق لتعلمها واتقانها. لذلك وجد في بغداد وما تحمله من ارث ثقافي في الحضارة العربية، ما يجعله يقتنع بالتخلي عن تحفظه في ارسال ابنته اليافعة، لتتغرب عن بيتها وعائلتها ووطنها الأم تونس. 

كتبت حياة، تفاصيل وصولها الى السكن الجامعي في بغداد، وإقامتها هناك بكل العفوية والحميمية. وسمّت الأماكن والأشخاص بأسمائها الحقيقية. وأعطت رأيها بحرية وتجرد حيال ما كان يتعرض له بعض الطلاب الوافدين للدراسة من ضغوط أمنية أحياناً. كل ذلك لم يجعلها تتنكر للمدينة التي احتضنتها سنوات من شبابها ولأهلها الطيبين. وللأماكن التي شهدت لحظات اللهو والسمر فيها على ضفاف نهر دجلة، في مساءات جوان حزيران القائظة. لذلك فان تعلق ابنة تونس ببغداد تعدى علاقة طالبة جاءت تدرس الفلسفة على يد اساتذة كبار جعلها تفرد أكثر من فصل للحديث عنهم، وعن كفاءتهم العلمية وتواضعهم، ودماثة اخلاقهم. وتعدى أيضاً علاقة شابة حققت حلمها بخوض تجربة العمل الصحفي في أهم صحيفة عراقية آنذاك. ذلك أن ارتباطها بهذه المدينة تعمق وصار أكثر وجدانية، بخاصة بعدما عاشت لحظات القصف والغارات على بغداد، والمبيت في الملاجئ اثناء الحرب الإيرانية العراقية. 

هذه الحرب التي انفجرت وهي في السنة الأخيرة من دراستها ففضلت ان تواجه المخاطر بالعودة مطلع العام الدراسي الجامعي، براً عبر الأردن، الى المدينة التي احبتها بعد أن أقفل مطار بغداد؛ بسبب الحرب الدائرة آنذاك. لتواصل دراستها وتواصل حياتها الأدبية والصحفية التي بدأتها هناك. والتي فتحت أمامها أبواب العمل الصحفي كمراسلة في الأردن أثناء دراستها الجامعية، وفي بلدها الأم بعد مغادرتها النهائية لبغداد. 

برغم الطبيعية والحميمية والتفاصيل الشخصية التي سردت بها حياة الرايس يومياتها ويوميات بعض زميلاتها وزملائها المقربين، فانه يمكننا القول بأن الرواية هي أقرب لسيرة مدينة، من كونها سيرة ذاتية. سيرة مدينة في شتى حالاتها، سيما حالتي الحب والحرب. فاستحقت العنوان الذي وضعه الروائي واسيني الأعرج في تقديمه للكتاب؛ “في بغداد ما يستحق المغامرة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s