بداية الطّريق

بداية الطّريق

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد حوراني

كانت الأجواء متشنِّجة، بعكس صفاء سماء أيلول فوق بيروت.

كان الطُّلاب منتشرين في جماعاتٍ مبعثرةٍ في “البورة” المواجهة لمبنى الجامعة، بعيدًا عن السّاحة المرتّبة التّي يركن فيها الدّكاترة والطُّلَّاب القدامى سيّاراتهم.

لم تكن تبدو على ذلك البناء سحنة بناء جامعي رسميٍّ يخرّج أطبّاء المستقبل، لم يكن بناءً تاريخيًّا شاهقًا في جامعةٍ عمرها مئة سنةٍ، وكلُّ غرفةٍ وقاعةٍ فيها تحمل اسمًا أعجميًّا أو عربيًّا لشخص أبدع على مقاعدها أو على دروب الحياة.

كانت تلك الجامعة الوطنيَّة القائمة بمقدِّرات الدَّولة التّي اتَّخذت على عاتقها إنتاج أطبَّاء يخدمون الوطن، وذلك على نفقة الدولة، ولم يكن على الطَّالب أن يتكلَّف عشرات آلاف الدُّولارات سنويًّا ليحصل على تلك الشَّهادة، كان عليه فقط عبور عتبة المباراة.

كانت صفوفها غرفًا سكنيَّةً مؤهَّلةً بمقاعدَ دراسيَّةٍ، ولا قاعاتَ واسعةٍ فيها ولا شاشاتَ لامعةٍ تتوسّط منابرها. لم يكن فيها لا كافيتريا ولا برنامج نشاطات ولا منحًا دراسيّةٍ.

كان فيها مجرّد شعلةٍ من التَّفاؤل بأن كل شيء مستطاع عندما تسعى إليه حتّى ولو لم تسعفك الحياة عند خطواتك الأولى برافعةٍ مادّيّةٍ ولو يسيرة.

 كان ذلك مجرَّد مبنًى سكنيٍّ قامت الدَّولة باستئجاره ليكون مقرَّ الفرع الثَّاني لكليَّة العلوم الطِّبِّيَّة في الجامعة اللَّبنانيَّة. 

كان تصنيف الفروع الفئويّ بصبغته الطّائفيّة من الرّواسب القذرة للحرب التي انتهت منذ أربعة أعوام، بعد أن فرزت المواطنين جغرافيًّا في كنتوناتٍ مذهبيّة بدأت تضمحلّ ألوانها بعد نهاية الحرب.

كان لكلِّ فرعٍ من فروع كلِّيَّات الجامعة اللُّبنانيَّة صبغته الطَّائفية والمناطقية، وذلك في كل الفروع. وكانت تصنيفات الفروع تتفاوت رغم انضوائها تحت قبة جامعة واحدةٍ، ولكن اليوم كان التَّاريخ يأخذ محوره الجديد.

هم كانوا الدَّفعة الأولى بعد ذلك المنعطف، هم كانوا العابرين من الدّفعة الأولى التّي تخضع لامتحان الدُّخول إلى كليَّة العلوم الطِّبِّيَّة الموحَّدة، الكلِّيّة الوحيدة في الجامعة اللّبنانيّة التّي لا فروع لها.

في العادة، كان طلَّاب السَّنة الأولى من كليِّات العلوم الخمسة يتقدَّمون إلى مباراة الدُّخول في الفرع الأول أو في الفرع الثّاني ليتمّ اختيار أربعين طالبًا لكلٍّ من الفرعين.

 كانت يومها تجرى مبارتان لكلّيّتين، واحدةٌ في بيروت الغربيَّة وواحدةٌ في بيروت الشَّرقيَّة، يومها حين كان لا زال هناك جرح عميقٌ يفصل أطراف الوطن عن الوعي والحقيقة، في إطار سرياليّةٍ عجائبيّةٍ يفصل فيها الغرب عن الشّرق خطّ تماسٍ يتحكّم بمفاصله القنّاصون.

ولكنَّ هذه السّنة كان الوضع مختلفًا، جميع الطُّلاب تقدّموا إلى مباراة دخولٍ واحدةٍ وتمّ اختيار ثمانين طالبًا ليبدؤوا مسيرة دراسة الطِّب. امتدّت المباراة على يومين متتاليين، تمَّ في نهاية ثانيهما التَّصحيح وإعلان النّتائج في أقلِّ من اثنتي عشر ساعة.

لم ينتظر تعليق نتائج المباراة ليلًا على باب الكلية الحديديّ العتيق.

في اليوم التّالي صباحًا نظر مستطلعًا إلى الورقة التي ستملي اتّجاه الانعطافة الجديدة في حياته، ثم تراجع خطوتين ونظر إلى المبنى العتيق الذي سيعود إليه بعد ثلاثة أيّام.

السّنة بدأت فعليًّا بعد بضعة أيام.

اليوم الأوَّل كان يوم الفوضى، فالكلِّيَّتان أصبحتا كلِّيَّةً واحدةً وأصبح لكلِّ مادَّةٍ مدرِّسان ولكلِّ عام فريقان مختلفان وكلٌّ منهما متشبِّثٌ بأساتذته وبهيكله القديم.

وقفوا أمام المبنى يشاهدون الصِّراع الصَّامت على اسم الوليد الجديد.

الطُّلَّاب القدامى يرفضون الدُّخول قبل الحصول على مطالبهم، الأساتذة يطلُّون من الشُّرفات تارة ويعودون إلى الاختفاء تارة أخرى، وبين الطُّلَّاب مراسل صحيفةٍ يسعى لتلقُّف خبر الإضراب الأول في أوَّل كلية تخضع للتَّوحيد.

بدأ الصُّراخ يتصاعد من المبنى وأخذ الطُّلَّاب بالخروج. 

خرج أحد الدَّكاترة المسؤولين وبدأ يجول على مختلف الطُّلاب محاولًا إعادتهم إلى الدَّاخل، وقف أحد طلبة السَّنة الخامسة المفوّهين وبدأ يخطب في زملائه.

ازدادت الفوضى وعلت الضَّوضاء، لكنّها لم تكن أعلى من الصّوت الآتي من الخلف، مجموعة طلَّابٍ ينشدون النَّشيد الوطنيّ:

“ملء عين الزّمن…” 

استقام الحضور مهابةً عند سماعهم النَّشيد وشاركوا زملاءهم في الإنشاد.. هدأت الفوضى أمام التحاق الجميع بكورس النّشيد الوطنيّ حتى مقطعه الثَّالث الذي نسيه معظمهم.

ساد الصَّمت بعد النَّشيد ونظر الطُّلَاب بعضهم إلى بعض وتوجهوا بخطواتٍ ثابتةٍ إلى داخل المبنى العتيق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s