عراة وسط الزحام

عراة وسط الزحام

خالد جهاد

اللوحة: الفنانة الإيرلندية لورين كريستي

لربما كان القلب أسوء ما فينا.. يشقينا أضعاف ما يسعدنا، فيأخذنا من سرابٍ ليزرعنا في آخر، يقتلعنا من ذاتنا، يسلبنا براءتنا، يصادر ذاكرتنا ويمنحنا صفة (مهاجر)، لنعيش تحت رحمته، مطرودين من جنته، نعاقر الوحدة في صمت إرضاءً لنزوته، تحت سماءٍ لا تتسع لأحلامنا وأرضٍ تنبذ أقدامنا العارية المغتسلة بتراب الطفولة ورصيفٍ نسينا ضحكاتنا عليه كما نسينا خطواتنا في درب العودة إلى أنفسنا..

هذا القلب الذي لا نملك عليه سلطانا، يلاحقنا كلما لذنا بالفرار منه، نجده خلفنا أينما اختبأنا كعيون من أحببنا وككل خيبةٍ تمكنت منا، كصرير الباب وسط وحشة الليل، وحديث المذياع في بيتٍ مهجور، خلاصنا منه يعني نهايتنا ونحن من لا زلنا نبحث عن بداية، نبحث عن وطن، نبحث عن رحم يتسع لنا جميعاً كسفينة نوح.. ننجو بها، معها، ومنها إلى مملكةٍ من غيوم الشعر الرمادية الحبلى بحبٍ عذري لم يخدش نقاءه أحد..

لم تشتته خيانة، لا تغريه الطرقات المعبدة بكلماتٍ من وهم، والمفروشة بحرير الكذب الأحمر الذي يمزج النار بالحب والدم، فتعتقل الصوت وتخاف من صداه ومن نظرات الراحلين في صورٍ ملتحمة على مد البصر، تحت أشعة الشمس الحارقة ولهيب العزلة والحسرة على حبيبٍ تلاشى وحبيبٍ لم يعد، وبيتٍ صغير.. صغيرٍ جداً تحول إلى سرابٍ خلف الحدود البعيدة، خلف الذاكرة التي لم تعد تفضل شيئاً على آخر، وتخشى ذم الحاضر خوفاً من أن يهجرها عندما يحزم حقائبه إلى الأمس لتظل وحيدةً مع خوفها من الغد، ذلك الشبح الذي يأتي ولا يأتي لكننا نشعر بوجوده دوماً دون أن تلتقي نظراتنا، فنحن مدمنون على الغربة والغرابة، نمشي مع الحياة مثل خطين متوازيين لا يكتب لهما فراقٌ أو عناق أو حوار كمن حكم عليه بالرقص المتواصل حتى الموت وهو لا يملك ابتسامةً تكفيه للعشاء..

وليس القلب وحده من يخذلنا في أسفارنا، فقد فعلتها حواسنا الخمس وأصابعنا التي تقفز فوق أسوارٍ من الدهشة التي نحصيها جميعاً دون أن يزور النعاس أجفاننا أو يصبح الليل أكثر حناناً، مر العمر وتوالت الأسماء واختلفت الوجوه والألوان والأعراق واللغات واللهجات ولم نلتقي بإنسان بعد أن تحول البشر إلى آلاتٍ ذكية وغير بريئة، براقة لكن بلا معنى، تبكي بدون مشاعر وتضحك بلا سبب، تشبه نشرات الأخبار والأبراج الشاهقة ومساحيق التجميل وإعلانات المستشفيات وشركات التأمين والتماثيل التي تعلق عليها الأزياء والكثير من الخيبات وعلامات التعجب التي التوت لفرط تعجبها وتحولت إلى علامات استفهام..

شعورٌ غريب بالبرد مع أننا نتصبب عرقاً ودمعاً، نشاهد ماضينا من نافذةٍ سرية، نرى بأعيننا تلك النسخة منا ولا نصدق أننا (كناها) في وضح النهار، عشنا تلك اللحظات، قلنا تلك الكلمات، وخطونا فوق بساطٍ من الأشعار والأغنيات، نرتدي أحلامنا ونتزين بمشاعرنا مختارين أجملها دون أن نحدق في مرآة، بيدين عاريتين من القيود والساعات، أصبحت ثقيلةً لا تصافح، لا تلوح، لا تحضن.. تعزف لحنها منفردةً وتمضي.. عارية الروح في عالمٍ عارٍ يكتسي بالعراة في وسط الزحام..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s