يوميات هناء في نيويورك – توق للمألوف

يوميات هناء في نيويورك – توق للمألوف

هناء غمراوي

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

وداعاً نيويورك “قرّب الموعد والشوق اكتمل”.. لم يكن موعداً في الواقع ولا خططت له؛ بل هو توق للأمكنة التي ألفتها، وشوق للأشخاص الذين افتقدت وجودهم حولي في أجمل الأوقات السعيدة، التي قضيتها في هذه المدينة الباردة في طقسها، الدافئة فيما تقدمه للقادمين اليها، من مختلف بقاع العالم من ترحيب واحتضان. عنيت مدينة نيويورك بالتأكيد، غادرت نيويورك بداية الأسبوع الثالث من شهر نيسان/ ابريل، من السنة الثانية لقدوم جائحة كورونا. بعد إقامتي فيها لمدة تزيد عن السنتين قليلاً. لم تكن المرة الأولى التي أغيب فيها عن المدينة. حيث كانت ابنتي ندوة تستضيفني، لأنها كانت تصطحبني في كثير من الرحلات الى أعالي الولاية، أو الى الولايات المحيطة بها والقريبة منها، كنيوجرسي، كنادكت، بنسلفانيا، وماستشوتس. غادرت نيويورك مساءً، عبر مطار جون كينيدي، الذي وصلته قبل موعد الاقلاع لأكثر من ساعتين. كانت وجهتي مدينة الرياض تلبية لنداءات “محمد الصغير” المتكررة؛ “تعالي تيتا، تعالي، متى تأتين؟ تعالي الاّن.. “تلك النداءات التي دفعتني الى قطع زيارتي الى اوكلاهوما، والتي كانت مقررة لمدة ثلاثة أشهر، والعودة الى نيويورك بعد شهرٍ واحد ومن ثم مغادرتها خلال أيام فقط باتجاه المملكة العربية السعودية. طال انتظار اقلاع الطائرة التي ستقلنا الى مطار الدوحة. ذلك أني كنت اسافر على متن الخطوط القطرية، وتأخر موعد اقلاعها لأكثر من ساعة دون ذكر السبب. علماً ان عدد المسافرين على متنها كان يتعدى السبعمائة راكب.. اخيرا فتح باب الطائرة، وبدأ المسافرون يتوافدون في الدخول تباعاً بعد طول انتظار. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية فجراً بتوقيت نيويورك. ولكن بما اننا كنا نسافر عكس الزمن باتجاه مشرق الشمس، فان ذلك سيحرمنا من التمتع ببضع ساعات من النوم ولو على مقعد الطائرة. اتخذت مقعدي المحدد قرب النافذة التي كانت تطل فقط على الظلام المخيم فوق الأطلسي، لان أنوار مدينة نيويورك سرعان ما اختفت، وبعدها اسدلت ستار النافذة، القريبة من مقعدي بناء لطلب المضيفة. الرحلة مدتها اثنتا عشر ساعة وخمسٍ وثلاثين دقيقة دون توقف. وكنت قد حضرت نفسي لذلك، فمع غياب الكتاب الورقي عن رحلاتي، كان لا بد لي ان استعين بحاسوب صغير الحجم استعمله في تنقلاتي واستخدمه في الكتابة، إذا لزم الأمر، أو قراءة بعض النصوص التي حفظتها فيه. وكان من حسن حظي ايضاً أن خلا المقعدين الموجودين بجانبي من المسافرين. ما وفّر لي مساحة من الحرية والراحة التامة. جعلتني أستغل قسماً كبيراً من ساعات الرحلة في كتابة قراءة، لرواية حجر الألف، والتي نشرتها في حانة الشعراء، بعد وصولي الى الرياض بأيام قليلة. الجو بشكل عام كان مريحا في الطائرة، والمضيفون يقومون بواجباتهم المعتادة من تقديم الوجبات الأساسية، وكذلك العصير والشاي والقهوة لمن يرغب. ولا يخلو الأمر من بكاء بعض الأطفال الرضّع الذين يعانون من الم في الأذن بسبب ارتفاع الطائرة. قرابة التاسعة مساءً بتوقيت قطر حطت الطائرة في مطار الدوحة. وعلى بابها وجدت شخصا ينتظر خروجي، وعرفت انه كان موكلا بمساعدتي في حمل امتعتي الشخصية وإيصالي الى البوابة التي تصلني بالطائرة السعودية التي ستنقلني الى مطار الرياض، وذلك بطلب شخصي، اكدت عليه قبل مغادرتي لمطار نيويورك، وذلك حتى اتجنب متاهة الجري في مطار الدوحة والعثور عل البوابة المطلوبة. فور مغادرتي لباب الطائرة، وبعد ان تأكد من هويتي اخذ مني الحقيبة وبدأ يسير بسرعة تفوق المعتاد. وانا احاول اللحاق به ومجاراته بالسرعة الممكنة، وقد أستخدم أكثر من مصعد حتى وصلنا اخيراً وجهتنا بعد حوالي عشر دقائق. وهناك استقبلتنا موظفة مضيفة قائلة “نعتذر منك سيدتي لقد اقلعت الطائرة المسافرة الى الرياض منذ دقائق وعليك الانتظار لحين تأمين طائرة اخرى”. ثم ناولتني بطاقة سفر بتاريخ جديد “الحادية عشرة والدقيقة العشرون”. كانت الساعة تشير الى التاسعة والنصف مساء فقلت لها: “بعد كل هذه الرحلة الطويلة علي ان انتظر ساعتين اضافيتين ايضاً؟”. لم تعلق ولم تصحح لي الخطأ الذي قدّرت فيه مدة الانتظار. فاعتبرت الموضوع حدثا عادياً بخاصة انني كنت تعرضت لمثل هذا الموقف من قبل في مطار اوكلاهوما ولكن الموظفة المعنية هناك قامت بما يلزم وحجزت لي بطاقة جديدة على طيارة اخرى بفارق ساعة واحدة فقط. ولم يخطر ببالي مطلقاً ان تاريخ الاقلاع سيكون في الحادية عشرة والدقيقة العشرون هو من قبل ظهر اليوم التالي؛ وعليه فانه يتعين علي قضاء الليل على كرسي في مطار الدوحة بانتظار طائرة الغد. عندما أدركت حجم المأزق الذي وقعت فيه قررت عدم الاستسلام وذلك بعدما تأكدت من أن سبب ما أنا فيه، تقع مسؤوليته بالدرجة الأولى على شركة الطيران، التي اخّرت اقلاع الطائرة ساعة كاملة من مطار جون كينيدي. ما جعلني أخسر الطائرة المغادرة الى الرياض. أول عمل قمت به كان إعلام ابني الذي من المفترض ان ينتظر وصولي الى الرياض الساعة الحادية عشرة مساء بحسب تاريخ بطاقة السفر الملغاة. ومن ثم تكلمت مع أحد الموظفين، وطلبت منه أن يصلني بأحد المسؤولين في المطار لأشرح له الوضع. لكنه رجع بعد قليل وطلب مني جواز السفر وقفل عائداً الى الموظف المسؤول.. لم أعرف كم مرّ من الوقت وانا انتظر عودته، وانتظر ان احصل على حل مناسب لمشكلتي.. في هذا الوقت مرّ أحد الركاب وهو يرطن غاضبا بسبب تعرضه لنفس المشكلة. وبعد مرور أكثر من نصف ساعة دون أن يلوح أي حل في الافق عاد الموظف الذي طلبت منه المساعدة، وكان مغربي الجنسية يكلمني بعربية ممزوجة بإنكليزية احيانا، وهو يحمل لي حلاً كان بنظره هو الأمثل وحسب زعمه أنه تواسط من أجلي مع إدارة المطار فاشتروا لي بطاقة على متن طائرة مسافرة إلى جدّة، وبعد توقف ساعتين في مطار جدة، بإمكاني أن استقل طائرة أخرى مسافرة الى الرياض. شكرت الموظف على مسعاه ولكني رفضت هذا الحل تماماً وقلت له “يعني بدل أن أقضي الليل هنا على كرسي في المطار تريدني أن أقضيه متنقلة بين المطارات؟”… 

امتعض الموظف من رفضي للعرض الذي قدمه لي. وقال إن هذا هو اقصى ما يمكن ان يقدموه لي. وهنا ارتفع صوتي مهددة بافتعال فضيحة في المطار إذا لم يؤمنوا لي غرفة في فندق المطار فوراً وحتى صباح اليوم التالي. وذلك ان التأخير الذي حصل تتحمل نتيجته شركة الطيران وليس أنا. ولكنهم رفضوا هذا الحل ايضا متذرعين بانه لا غرف شاغرة في فندق المطار، وإذا كان لا بد فانهم يؤمنون لي غرفة في فندق خارج المطار ولكن هذا يستدعي اجراء فحص الكورونا وعلى نفقتي الخاصة. في خلال هذا الوقت كان ابني يتابع معي كل التفاصيل والتعقيدات عبر الهاتف من الرياض. ثم سألني “هل قلت لهم بانك مواطنة أميركية” فقلت لا فأنا اسافر بجواز سفر لبناني، لان جواز السفر الاميركي يلزمه بعض الوقت ليكون ناجزاً” قال أخبريهم بذلك. اخيرا لم يكن أمامي سوى هذ الحل للأسف.! وفي خلال دقائق اجتمع حولي أكثر من خمسة موظفين جاءوا جميعهم للتأكد من هويتي؛ ثم سألني أحدهم: إذا كنت اميركية لماذا تسافرين بجواز سفر لبناني؟ فأجبته على الفور أحببت ان أزور اهلي وقومي بجواز سفري الأصلي، واعتقدت انه بذلك ستكون حظوتي عندهم اكبر لو فعلت. في كل الاحوال انا بلغت ابنتي المقيمة في نيويورك بكل ما حصل. وهي ستقوم باللازم. ما هي الا دقائق حتى الغيت كل التعقيدات، وعلى الفور حضرت موظفة لمرافقتي وطلبت لي كرسيا مدولبا مع شاب ليحمل امتعتي وقادتني الى غرفة استقبال لا تبعد سوى أمتار قليلة عن المكان الذي كنت انتظر فيه. وعندما سألتها إذا كنت سأخضع لإجراء فحص الكورونا “بي سي اّر” اجابت لا داعي انت لن تخرجي من المطار لقد امنا لك غرفة في فندق المطار وغدا بعدما تتناولين الفطور نرسل لك سيارة لتوصلك الى البوابة المطلوبة.. رافقني الموظف حتى باب الغرفة وسلمني قائمة الفطور بعد ان سالني عن موعد استيقاظي ليتم الاتصال بي ووعد ان يكون منتظرا على باب الغرفة في العاشرة صباحا ليرافقني الى السيارة، التي ستقلني الى بوابة الخطوط السعودية.. دخلت الغرفة وكانت غرفة كبيرة بمواصفات عالية الجودة (أكثر من خمس نجوم) مع حمام خاص في غاية النظافة. اخدت حماما سريعا وأويت الى السرير يرافقني شعور بالهزيمة والخيبة منعني من النوم حتى ساعات الصباح الأولى. كنت أحس شعورا ممزوجا بالغضب والحزن والخيبة والانكسار؛ بدل شعوري بالانتصار لتحقيق ما أردت. نعم، هي خيبة كل انسان لا ينظر اليه كإنسان؛ بغض النظر عن عرقه ولونه، وبغض النظر عن البلد الذي ينتمي إليه وجواز السفر الذي يحمله.. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s