الجندي المغربي في أشعار الحرب الأهلية الإسبانية (1)

الجندي المغربي في أشعار الحرب الأهلية الإسبانية (1)

د. جمال عبد الرحمن

اللوحة: الفنان الإسباني أوريليو أرتيتا بعنوان «النزوح»

منذ انتهاء الصراع السياسي في شبه جزيرة إيبريا لصالح الطرف المسيحي، لم يتوقف الجدل حول تقييم الدور الذي لعبته الحضارة الإسلامية العربية كأحد مكونات الثقافة الإسبانية.

سأترك الآن جانبا تلك المواجهة التي حدثت في أواخر القرن السادس عشر بين مؤيدي طرد الموريسكيين وأولئك الذين مالوا إلى استيعابهم داخل المجتمع المسيحي، ذلك لأن خلفيات المعركة كانت المصالح الخاصة لهذا الطرف أو ذاك: رجال الدين كانوا يسعون إلى تحقيق الوحدة الدينية الكاثوليكية في البلاد، وكانوا يذهبون أحيانا إلى حد إعاقة أي مجهود يبذل لاجتذاب المسلمين، والمواطن العادي كان يرى في الموريسكى منافسا صعبا في نواحي الصناعة والتجارة، وكان يرى أن طرده سيعود عليه بالخير. 

على الجانب الآخر كان الإقطاعيون الإسبان يفعلون كل ما بوسعهم من أجل الإبقاء على المسلمين في إسبانيا، وتستّر كثير منهم على من يمارس الشعائر الإسلامية المحظورة قانونا، بل ووصل بعضهم إلى حد تشييد مسجد إرضاء للمسلمين.

***

يبدأ الجدل الفكري الذي أعنيه في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين، حينما بدأ ما يمكن أن نطلق عليه “الاستعراب العلمي” في إسبانيا، أي دراسة الحضارة العربية الإسلامية دراسة منهجية لبيان ما أضافته إلى إسبانيا من جوانب إيجابية أو سلبية. 

كان هناك فريقان: أحدهما يرى أن الوجود الإسلامي في إسبانيا كان فاتحة خير على البلاد، فقد ازدهرت قرطبة وإشبيلية وغيرهما حين كانت بقية بلدان أوربا تعيش في ظلام العصور الوسطى. يقول أنصار هذا الفريق إن إسبانيا لو واصلت الطريق لكان لها شأن آخر بين الأمم. أما أنصار الفريق الثانى فلا يرون في الوجود الإسلامي إلا أثارا سلبية، وينسبون إلى المسلمين تخلف إسبانيا عن بقية الدول الأوربية. 

هذا الجدل الفكري بدأ ولم ينته إلى اليوم. نعم إلى اليوم، فقد نشر أحدهم منذ سنوات قلائل كتابا ينفى فيه أي أثر إيجابي للحضارة الإسلامية العربية. ولعلنا نذكر تلك المعركة الشهيرة التي دارت رحاها بين كل من أميريكو كاسترو وسانشيث ألبورنوث حول الواقع التاريخي لإسبانيا.

منذ أن بدأ الجدل وحتى هذه اللحظة كانت هناك خصائص حددت ملامح المتجادلين بشكل عام: كان المحافظون هم الذين ينفون أي أثر إيجابي للحضارة الإسلامية، وكان أصحاب الفكر التقدمي المتحرر هم الذين يعترفون بإسهام تلك الحضارة وفضلها على إسبانيا.

الاستثناء الوحيد كان في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، فقد شارك العرب في صفوف الجمهوريين والمتمردين على السواء، وكانت لتلك المشاركة آثار لا تزال قائمة إلى اليوم.

ولكي يكون حديثنا عن المشاركة العربية في الحرب الأهلية الإسبانية أكثر وضوحا علينا أن نعود إلى بدايات القرن العشرين حين كانت الدول العربية كلها ترزح تحت الاحتلال الأجنبى، وكانت حركات التحرر العربية في أوج قوتها. في ذلك الوقت كان العالم ينقسم إلى قسمين: دول استعمارية وشعوب تسعى إلى التحرر، وكان من الشائع آنذاك أن يناصر الثوار في مكان ما ثوارا في مكان آخر. هذا ما يفسر لنا انضمام متطوعين عرب إلى جانب قوات الجمهورية الإسبانية ضد الجنرالات الذين أرادوا تقويض سلطتها والقضاء على المكاسب التي حققتها الطبقات الفقيرة تحت الحكم الجمهورى.

وطبقا للوثائق المتوافرة فقد شارك متطوعون عرب من فلسطين والجزائر والمغرب وتونس إلى جانب قوات الجمهورية، لكن الوثاق الإسبانية لا تكاد تشير إلى تلك المشاركة وذلك لعدة أسباب منها:

  1. قلة عدد المتطوعين العرب مقارنة بأعداد المتطوعين من جنسيات أخرى.
  2. كانت الدول العربية في ذلك الوقت خاضعة للاحتلال، ومن ثم فقد كان اسم المتطوع العربي يدرج في خانة الدولة التي تحتل بلاده. وقد اهتمت الدول الاستعمارية المشاركة في حرب إسبانيا ببطولات أبنائها فقط، ولم تكن الدول العربية في وضع يسمح لها بفعل الشيء نفسه مع المتطوعين من أبنائها.
  3. السبب الثالث، وهو الأهم: لقد غطت مشاركة القوات النظامية المغربية إلى جانب فرانكو – وما ارتكبته من فظائع- على أنباء انضمام متطوعين عرب في صفوف الجمهورية، إذ تراوح عدد المغاربة في قوات فرانكو بين سبعين ألفا (فى أقل التقديرات) وثلاثمائة ألف (في أقصى تقدير) على أن رقم مائة ألف قد يبدو قريبا من الصواب.

غيرت الحرب الأهلية موقف الفكر الإسباني من الحضارة العربية الإسلامية، ووقف اليسار الإسباني ضد الثقافة العربية بسبب الفظائع التي ارتكبها الجنود المغاربة، ثم ما أعقب ذلك من دخول فرانكو مدريد محاطا بجنود مغاربة، ما أدى إلى أن يتحول لفظ “مورو” إلى مرادف للوحشية والظلم والهمجية.

مع الحرب الأهلية الإسبانية حدث تغير كامل في موقف الفكر الإسبانى من الحضارة العربية الإسلامية، فلأول مرة يقف اليسار الإسبانى موقف الرافض للثقافة العربية: لقد أدت الفظائع التي ارتكبها الجنود المغاربة، ثم ما أعقب ذلك من دخول فرانكو مدريد محاطا بجنود مغاربة…أدى كل ذلك إلى أن يتحول لفظ “مورو” إلى مرادف للوحشية والظلم والهمجية.

وربما لأول مرة في تاريخ الفكر الإسبانى نجد اتجاها عاما مؤيدا للعرب والمسلمين بين المحافظين الإسبان. لقد دافع هؤلاء عن قيم الحضارة العربية الإسلامية وقالوا إنه من الطبيعى أن يشترك المسلمون والمسيحيون – وهم يؤمنون بإله واحد- في وجه عدو مشترك لا يؤمن بإله ولا بدين. وقد تطوع البعض الآخر فزعم أن الإسبان والمغاربة كانا في الأصل شعبا واحدا في أحقاب سابقة ولم يفرقهما البحر إلا منذ زمن قليل نسبيا!

على أن المتأمل لتطورات الحرب واشتراك المغاربة في الحرب إلى جانب فرانكو يجد أن الدين لا علاقة له بموقف المغاربة: كان هؤلاء يطمعون في الاستقلال، وحاربوا قوات الاحتلال الإسبانى من أجل ذلك الهدف، فلما بدأت الحرب طالبوا الفريقين – كلا على حدة- بحقهم المشروع في الحرية وتقرير المصير. راوغ الجمهوريون في بداية الحرب، أما فرانكو فقد كان واضحا في عرضه: إنه ” يتفهم” تطلعات شعب المغرب ورغبته في الحرية، ولا يمانع في منح الحكم الذاتي – بل والاستقلال – للمغرب. من أجل ذلك انضم المغاربة إليه.

ومما يؤكد مكانة فرانكو لدى المغاربة آنذاك أنهم أطلقوا عليه لقب “سيدى فرانكو”. أما في بقية الدول العربية فقد ذاع صيته كمناصر للشعوب المستعمرة، وهكذا استحق لقب “صديق العالم العربى”. 

الدراسة التي  أقوم بها لم تكتمل بعد، ولهذا فإننى لا أدرى الترتيب الزمنى لبعض الأحداث، لكن الشيء المؤكد هو أن فرانكو قد تحمل نفقات بناء مسجد ونفقات رحلة الحج لعدد كبير من الأشخاص.

وهناك عوامل أخرى لا يمكن أن نغفلها أدت إلى انضمام البعض إلى قوات فرانكو:

  1. الفقر كنتيجة طبيعية للجفاف الذي تعرضت له مناطق مغربية قبيل اندلاع الحرب الأهلية، وقد أدى الجفاف إلى انعدام وسائل المعيشة في بلد يعتمد أساسا على الزراعة والرعي، وهكذا أصبح التطوع في جيش فرانكو الوسيلة الوحيدة تقريبا لإعالة الأسر المغربية المقيمة في تلك المناطق.
  2. رغبة أهل المغرب في امتلاك السلاح لمحاربة المحتل، فقد كان اشتراك المغربي في الحرب يعنى بالضرورة تسلمه بندقية وتدريبه على استعمالها، وكانت هذه هي الطريقة المتاحة آنذاك للحصول على سلاح.
  3. بعض من ذهبوا إلى إسبانيا لم يذهبوا بمحض إرادتهم، بل اختطفتهم قوات فرانكو من بيوتهم ومن مزارعهم ورحّلتهم قسرا إلى إسبانيا، وقد اعترف بذلك بعض الأسرى المغاربة الذين سقطوا في قبضة الجمهوريين.
  4. البعض الآخر ذهب إلى إسبانيا طمعا في الحصول على المال، وقد وعد فرانكو بعضهم وعودا مغرية.

إن موقف الجمهورية الإسبانية من المغرب قبيل الحرب الأهلية وفي أثنائها لم يكن يقدم للزعامات المغربية خيارات كثيرة، فالجمهورية رفضت منح المغرب الاستقلال، ثم هى سعت إلى استغلال المغرب –كمنطقة تابعة لها- كسلعة تبيعها لمن تشاء للحصول على مقابل، وقد أبدت بالفعل استعدادها للتنازل عن المغرب لصالح فرنسا أوانجلترا في مقابل ضمان مساندة إحدى الدولتين لها ضد فرانكو. إذن فلم يكن هناك خيار أمام المفاوض المغربي سوى خيار فرانكو.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s