فائدة لغوية

فائدة لغوية

سعد عبد الرحمن 

اللوحة: الفنانة المغربية لطيفة العلوي

يطرد في معظم الأفعال الثلاثية التي تبدأ بنون وباء أن تدل على ظهور الشيء (بروزه وارتفاعه) بعد خفاء مثل (نبأ) للأمر المجهول حين يظهر ويعرف: تقول: أنباني أي أظهر لي من الأمور ما كان خافيا علي، و(نبت) للزرع حين يظهر؛ تقول: نبتت الشجرة أي خرجت وبرزت من الأرض، و(نبح) لصوت الكلب حين يعلو ويرتفع؛ تقول: نبح الكلب علي أو نبحني أي رفع صوته علي، و(نبر) لصوت المتحدث حين يرتفع ويظهر؛ وقد سمي المنبر منبرا لأن الخطيب يقف عليه فيرتفع كلامه ويظهر أكثر، و(نبس) للكلام حين يبدأ الشخص في نطقه؛ تقول: لم ينبس ببنت شفة اي لم ينطق بكلمة واحدة، و(نبط) للماء أو الشيء حين تستخرجه من مكمنه فيظهر؛ تقول: حفرت البئر حتى نبط الماء أي حتى خرج وظهر؛ واستنبطت الحقيقة من كلامهم أي استخرجتها وأظهرتها، و(نبع) للماء حين يخرج من باطن الأرض؛ تقول: هذا منبع النهر أي بداية ظهوره، و(نبش) للأرض حين تحفرها بحثا عن شيء مطمور فيها فتظهره؛ تقول نبشت الأرض واستخرجت الكنز، و(نبغ) حين يبرز الإنسان في مجال معين ومثلها (نبه)؛ تقول: نبغ في بلدنا عالم أي ظهر وبرز ؛ ونبه بيننا شاعر أي ظهر وبرز، و(نبا) من النبو للشيء إذا ظهر مخالفا للسائد والمألوف حوله؛ تقول: هذه كلمة نابية أي ظاهرة في مخالفتها للسياق أو العرف؛ وأرض نابية أي تخالف ما حولها في الاستواء، و(نبذ) بالذال تقول: نبذت الشيء أي استبعدته أو عزلته فيكون واضحا في انفراده وعزلته عن بقية الأشياء غير مختلط بها، ومنه قوله تعالى في سورة مريم: فحملته فانتبذت به مكانا قصيا، ونبز بالزاي تقول: نبزه أي لقبه لقبا قبيحا واضح القبح، ومنه قوله تعالى في سورة الحجرات: ولا تنابزوا بالألقاب.

*** 

يكتب ويقول كثيرون: (لطمني على وجهي بقوة) ويكتبون ويقولون: (صفعته على وجهه بشدة) وكلا الفعلين (صفع ولطم) يدل على الضرب، لكن فيما عدا مجرد الضرب الفعلان يختلفان في الدلالة.. كيف؟

ذلك لأن (اللطم) يختص بالوجه أما (الصفع) فيختص بالقفا، إذن فالجملة الأولى صواب والجملة الثانية خطأ

ودلالة كل فعل على المنطقة التي يقع عليها من الجسم تجعل الكاتب أو المتكلم في غير حاجة إلى ذكرها إلا إذا كان ثمة فائدة بلاغية من ذلك، فعندما تقول: (لطمت فلانا) فمعنى ذلك أنك ضربته بيدك على وجهه، وعندما تقول: (صفعت فلانا) فمعنى ذلك أنك ضربته بيدك على قفاه. يقول ابن الرومي يصف شخصا قميئا:

قصرت أخادعه وطال قذاله

فكأنه مترقب أن يصفعا

وكأنما قد ذاق أول صفعة

وأحس ثانية لها فتجمعا

وفي البيتين يصف ابن الرومي شخصا قميئا (دميما قصيرا) فيقول إن (رقبته قصيرة وقفاه عريض) فيبدو لمن يراه كأنه شخص تلقى على قفاه صفعة مؤلمة، وقد انكمش على نفسه وانقبض عنقه لأنه أحس أنه سيتلقى صفعة أخرى قد تكون أشد من الأولى.

وثمة مثل عربي قديم يقول: (لو ذات سوار لطمتني)، وهو منسوب إلى حاتم الطائي الذي وقع ذات مرة أسيرا وضربته أمة (جارية) على وجهه وهو مكبل بالأغلال فقال هذا المثل الذي يعني أنه تعرض لإهانة بالغة لأن التي لطمته ليست امرأة حرة وقد كنى عنها بقوله (ذات سوار) فالعرب قلما كانوا يلبسون إماءهن الأساور.

رأيان على “فائدة لغوية

  1. اختيار موفق لأستاذ متمرس يعي ما يكتب.. بالتوفيق دائما.. وتحياتي للأستاذ الشاعر سعد عبد الرحمن.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s