كوز ذرة

كوز ذرة

محمود حمدون

اللوحة: الفنان المصري حسين بيكار

صحبة الطريق أكثرهم مودّة، لم أر منهم شرَّا من قبل. قلت ذلك وأنا أنظر في مرآة صغيرة تعلو رأسي، تتوسط زجاج سيارتي الأمامي، أتابع بائعة الذرة المشوية على الطريق.

 فقد اعتدت قبل فترة بعيدة، ورفيقة مشواري أن نعرج عليها، نركن يمين الطريق بجوارها، نرمقها وهي تقلّب كيزان الذرة على الفحم، رائحة الشواء تبعث في الجو اُلفة غريبة، تهيّج ذكريات بعيدة فتطفو على السطح.

كلما مررنا بها، نعيش نفس الأجواء، تقابلنا بنفس الابتسامة التي تعتلي وجهها الأسمر النحيل، تُهرع إلينا، تقدم أفضل ما لديها من بضاعة، تُقسم علينا أنها هدية، فأردها عليها بأحسن منها، فتقبل الثمن وخجل يعتريها.

بالأمس كنت أقطع الطريق سريعًا وحدي، أجتر ذكريات سعيدة تلهيني عن وعورة المسير، حين سمعت من ينادي بصوت غلبه الاجهاد والتعب: “يا أستاذ”!

التفتُ يميني، فإذ هي المرأة، تقف على الرصيف، أول مرة ألحظ قصرها، ملابسها المهندمة على رغم رقة حالها، كانت تبتسم لكنها هذه المرة ابتسامة تحمل تساؤلات، قلقًا، أمامها على الأرض، عدة الشواء، جوارها قفص ممتلئ بأكواز الذرة.

 ظنّي أن البائعة، أصبحت جزءًا من حياتنا، نقطة تجري معنا بدائرتنا الصغيرة الضيقة. حين وقفت جوارها، تحرّجت في البدء، ثم تجرّأت وسألت: أين نصفك الآخر؟ لا غيّبها الله ولا أنت. الطريق موحش هنا دونكما، ثم ناولتني “كوز ذرة” نيئ، يرفل في حلته الخضراء، نديّ، فتعجبت وقلت: لكنه غير مشوي؟

فقالت: لا تكتمل فرحة دون رفيقتك، لا طعم للحياة بغيابها، فكيف بكوز ذرة!. وأكملت بعدما جلست القرفصاء على الأرض، وهي تنفخ بقوة ورجاء في الفحم: ويأبى هذا أن يشتعل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s