من الورقة إلى الشّاشة

من الورقة إلى الشّاشة

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان البريطاني روبرت و. رايت

كان تطبيق الواتساب بمثابة صندوق المفاجآت، يغلقه قبل دخول العيادة ويفتحه بعد الانتهاء من المريض الأخير، أو في وقتٍ متأخِّرٍ من الليل بعيدًا عن ضوضاء النّهار واتّصالات المرضى. كان ذلك السّلوك شاهدًا على تسمّمه بداء العصر المعلوماتيِّ الذي يجعله في حالة توقٍ إدمانيٍّ دائمٍ للنّظر إلى تلك الشّاشة الصّغيرة المضيئة التي نصّبت نفسها بوّابةً تُشرفُ على خبايا الكوكب العتيق. 

طبعًا سيجد عشرات الرَّسائل من أرقام مجهولة المصدر، تلك التّي يمحوها مباشرةً دون الاطّلاع على محتوياتها خوفًا من الفيروسات التي تختبئ في حناياها، وهناك رسائل مجموعات العائلة والأصدقاء والأطبّاء والمستشفيات التي تعجُّ برسائلَ وردودٍ من كل حدبٍ وصوبٍ، هذه يتسلّى بها عند المساء، وهناك رسائل المعارف التّي فيها سلاماتٌ سريعةٌ أو احتياجاتٌ طارئةٌ.

«كيف حالك يا عزيزي، هل تستطيع الوصول إلى هذا المقال؟»

كانت تلك رسالة من طبيبٍ صديقٍ في فرنسا، كان قد مضى عقدٌ من الزَّمن على لقائهما الأخير وجهًا لوجهٍ ولكن الشَّبكة العنكبوتيَّة ساعدتهما في الحفاظ على عرى الصَّداقة والإبقاء على متانتها.

هو كان اعتاد على هذه الرَّسائل، فالوصول إلى المعرفة الطِّبِّيَّة الصَّحيحة مُرتَهَنٌ لإنفاقٍ ماليٍّ محتَّمٍ عمومًا من طرف القارئ، ونادرًا من طرف المؤلِّف، فالعصر الحاليُّ كان موبوءا بفيضٍ من التَّسميم العولميِّ الذي يُعرِّف عن أي نصٍّ مُتاحٍ عبر الإنترنت على أنَّه معلومةٌ طبيَّةٌ صالحةٌ، ولا من يحاسب ناشرها عندما يؤذي تطبيقها القارئ.

كان من المستحيل إقناعُ عموم القرَّاء أنَّ المعلومة الطِّبيَّة الصَّحيحة لا تُعطى مجَّانًا عبر الإنترنت.. هو كان من طائفة الأطبَّاء الّذين ينشرون مقالتهم العلميَّة وأحيانًا يتكلَّفون نفقة النَّشر بهدف إتاحتها مجَّانًا للعموم.

  • “أعطني بعضًا من الوقت لأرى إذا كانت جامعتنا تقدِّم لنا اشتراكًا مفتوحًا لهذه النَّشرة” ردَّ على صديقه مستمهلًا إيَّاه الوقت للوصول إلى جهاز كومبيوتر شرعيٍّ يحرِّره من حدود شاشة الهاتف الصَّغيرة.

هو كان لا يجد ضيرًا في تبادل المعلومة العلميَّة بهذا الشَّكل، فشأنه شأن كلِّ طالب علوم طبيَّة كان قد شعر بالعبء الماديِّ لمصادر المعلومات في سنوات الدِّراسة الأولى، سواء من مراجع طبيَّة مطبوعة أو برمجيَّات إلكترونيَّة أو اشتراكاتٍ في مواقع دراسيَّة طبيَّة متخصِّصةٍ.

فبداية التِّسعينات كانت قد شهدت تغيُّيراً في مفاهيم حقوق النَّشر والتَّوزيع مع طفرة العولمة وكشف السِّتار عن شبكة الإنترنت، ولكن قبل ذلك كان قد سبق عقدٌ من زمن الحرّيَّة الورقيَّة المُستجِدَّة خارج حدود المطابع، فنَسخُ الكتب بطريقة ال photocopy الزَّهيدة الثَّمن كان قد أصبح طاغيًا، إن بالطَّريقة العشوائيَّة في المحالِّ الصَّغيرة حول مبنى الجامعة أو بطرق النَّسخ الاحترافيِّ في محالَّ متخصِّصةٍ. هو كان يذكر زيارات الطُّلَّاب أحيانًا إلى خارج الحدود وصولًا إلى دمشق قاصدين فيها النَّفق قرب كلِّيَّة العلوم الطِّبيَّة حيث كان بيع الكتب المنسوخة مع تجليدٍ ملوَّنٍ من العادات المألوفة، ولا شكَّ بسعرٍ أقلَّ بعشرين مرَّة من سعر الكتاب الأصليّ.

ولكن الحاجة لهذا الاستنساخ لم تستمرَّ أكثر من٤ سنوات، إلى حين شيوع المساعد الإلكتروني الخاصّ PDA personal digital assistant وأشهرها من نوع اللَّوح الكفي palm pilot ولاحقًا اللَّوح الكفي بنظام Mobile windows

كانت مُساعداتٍ طبِّيَّةً على شكل هواتف اليوم ولكن دون شرائح اتِّصال هاتفيَّةٍ فيها. كان الاتِّصال عبر الأشعة ما تحت الحمراء أوَّل غيث التَّبادل ليتبعه نظام ال Bluetooth قبل أن يركن الجميع إلى وسائل التَّبادل المعروفة اليوم.

 وحينها فرغت تدريجيًّا جيوب مراييل الأطبّاء البيضاء من عشرات الكتب الطبيِّة المنمنمة المسعفة بالطّارئ من المعلومات وتحوّلت جميعها إلى مجرَّد تطبيقٍ تتمُّ إضافته إلى ذاكرة لوحٍ كفِّيٍّ. وبدأ طلَّاب الطّبّ حينها بالتَّعرُّف إلى مفهوم اقتناص التَّطبيقات مع كلمات المرور والتَّسجيل التي تعفيهم من دفع أجر استعمال المرجع. يومها تعرف الأطبَّاء إلى النُّسَخ الالكترونيَّة من الكتب بصيغة تطبيق «Skyscape»، وذلك مع تطبيق المفاتيح اللَّازم للاستيلاء على محتوى الكتب مجَّانًا.

لم يكن أحد يظنُّ أن القرصنة ستدخل زواريب التَّعليم العالي الجامعيِّ. لم تكن الهواتف الذَّكيَّة قد غزت العالم بشكلها الحاليِّ بعد، كان السوق متقاسَمًا بين ال: «Blackberry, palm, windows mobile»

وأصبح على كل طبيب وكل طالب طبٍّ مجتهد أن يتزوّد بهذا السِّلاح العلميِّ الفتَّاك الذّي يحتوي كلَّ المعلومات اللَّازمة في زمنٍ لم تكن فيه الإنترنت متاحةً بعد على الهواتف المحمولة. 

كان جهاز ال palm هو المفضَّل لديه بداية كجهازِ كفيٍّ قابلٍ للكتابة التَّقليديَّة والذي لم يلبث أن تطوَّر إلى هاتف يحتوي اللَّوح الكفِّيَّ مباشرةً. وعند مشارف عام 2009 كانت التَّطبيقات قد أصبحت بمتناول الجميع وهواتف البالم قد تطوَّرت بوقت قياسيٍّ إلى هواتف متطوِّرة بشحنٍ لاسلكيٍّ، وبأسعارٍ زهيدةٍ جعلت منها بمتناول الجميع. كان من المنطقيِّ بمفهوم الوحوش العنكبوتيَّة النَّاشئة أن تقتل هذا النِّظام البرمجيّ وتفسح بالمجال لشركات تبيع أنظمةً معلوماتيَّةً بتطبيقات متَّصلةٍ مباشرة بالإنترنت ولا تعمل مستقِلّةً عنها. شهد يومها بمجرّد أشهرٍ معدودةٍ كيف هدمت الحضارة أحد إنجازاتها العملاقة المتحرِّرة بهدف بيع أجهزة أحدث تأتي مع رباطاتٍ وقيود.

فكان ذلك بداية إغراق العالم الفرضيّ في شباك الأندرويد وال IOS.

ولا شك أن حجم التَّفلُّت المعلوماتيّ الموجَّه طبّيَّا نحو تبادل معلوماتٍ مجّاني كان قد بلغ أوجه في نهاية العقد الأول من القرن، وخصوصًا مع تطوُّر ال library.nu إلى شكلها النهائي الذي حوى زهاء أربعمئة ألف كتاب إلكترونيٍّ ومصوَّر في كلِّ مجالات الآداب والعلوم للتّنزيل المجّانيّ وذلك في فهرس ال gigapedia قبل أن تحدّ محكمةٌ ألمانية من وجوده عام 2012 بعد دعوى تقدّمت بها دور نشرٍ عدّة.

تتالت تلك الذِّكريات متسارعةً في مخيّلته وهو يستعرض الفهرس الطّبيّ الذي تتيحه له اشتراكات الجامعة إلى أن وصل إلى النَّشرة الطِّبيَّة التي طلبها منه صديقه فبدأ بالبحث عن السَّنة والعدد المطلوبَين.

كان استعراض أحداث القرنين الماضيين في ذهنه بمثابة مطالعةٍ حيّةٍ لتطوّر وسائل اقتناص المعلومة الطِّبيَّة الصَّحيحة بكافَّة الأشكال. فهناك مصطلحاتٌ لم يكن يجب أن تدخل قواميس طلَّاب الطِّبِّ مثل hack وcrackوpatch بمعانيها غير الطِّبِّيَّة.

عثر على المقال وبدأ بتنزيله على القرص الصَّلب تحضيرًا لإرسال النُّسخة عبر البريد الإلكترونيّ.. كان الوصول إلى مقالٍ كهذا يكلّف ما يقارب الخمسين دولارًا في حال عدم وجود اشتراكٍ جامعيٍّ متاح.  كان يتفهَّم سعي صديقه لتفادي دفع هذا المبلغ، للمجلّة وليس للكاتب، لقاء اطّلاعٍ على بحثٍ طبّيٍّ من أربع صفحات ولو كان كاتب المقال يريد وضعه مجَّانًا بمتناول الجميع لكان تكلّف زهاء الألف وخمسمئة دولار، كان من الغريب تفاوت تكلفة نشر مقال طبيّ بين خمسين دولارًا وألف وخمسمئة دولار لينتهي المقال في أي من النشرتين على شكل نتيجة متشابهةٍ في محرّك البحث عينه.

نظر إلى الزَّاوية اليمنى من المتصفّح ليلحظ انتهاء التنزيل، فتوجّه إلى صفحة رسالة صديقه وباشر بتحميل المقال مُكملًا شبكة تواصلٍ علميٍ صرف لم تمتدّ إليها مقصّات الرّقابة العنكبونيّة بعد! 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s