بسمة.. وجه الحياة المضيء 

بسمة.. وجه الحياة المضيء 

نورا أحمد

اللوحة: الفنان الفرنسي ليون كومير

ليست منافقة بل واضحة وصريحة، ليس لها وجهان؛ تُظهر للإنسان أحدهما اليوم فيسره، هي لا تخادعه ليظن أن هذا هو وجهها الوحيد، ثم يرى وجهًا آخر في الغد يسوءه فيتفاجأ! هي بوجهها الواحد الواضح، وفيه تختلط المسرات والأحزان، هي ناعمة كوجنة فتاة تود تقبيلها لفرط نعومتها.. وخشنة كذقن رجل اعتاد على الحلاقة المستمرة ويحب شعور النعومة حيث مكمن الخشونة، وعندما يستسلم لنمو الشعر في أول بزوغه يكون حرشًا كدبابيس توخز! 

الحياة نصفها ناعم سلس تنزلق عليه الأيام بلياليها العذبة بيسر وسهولة، ونصفها خشن يوخز يؤلم صعب أن تمر عليه أصابع اللحظات والثواني، نصف وجهها باسم يضحك، ويشعرك بأن وجودها بذاته أكبر نهفة (نكتة)، جُل ما تحضره معها هو أشبه بسيرك كرنفالي ضخم متنقل من وجود إنسان لآخر! سيرك، مهرجوه لا يرسمون ضحكة زائفة حمراء فوق شفاههم بل إن السعادة مرسومة في جوفهم السعيد، يلهون ويلعبون بأدواتهم بمهارة وسعادة، والذي يشاهدهم جمهور من السعداء الباحثين عن القهقهات الجماعية والفرح المطلق، والنصف الآخر متجهم حزين باك متذمر يمثل دوره، كمسرح يجمع حشدا من أبأس الحضور وأكثر المخرجين قتامة، موكل بإخراج المشاهد الدموية والفقر، وممثلوه يائسون تظن أن الواحد منهم منسل من خطوط الدمع على وجه الحياة، تشم فيه رائحة الموت، مسرحياته مبنية على الفقد والخيانة والأسى!

لهذه الحياة يا رفيقتي ملامح حنونة، محبة، كريمة كقلوب الأمهات، تلمع عينها بحب لا مشروط للناظر، وكأني بها أم ونحن أطفالها البررة تمنح طفلها الأمان وتغدق عليه حنانها من محيط حنيّة لا ينفذ، تحضنه بعينيها قبل حضنها، وتفرغ عليه رحمتها التي فطرت عليها! ولذات الحياة ملامح قاسية لا ترحم الذي ينظر اليها عينًا لعين، تزجره بقسوة، مدير مدرسة ينهر أصغر طالب – يقف في طابور الصباح مال كتفه لثقل حقيبته المدرسية في أول أيام دوامه – لتلقينه درس 101 ألا وهو (لا ترفع عينك)، انكسر أمامي لتتجنب قسوتي!

الحياة ليست غريبة كليًا! نصفها أليف نلتقي فيه بأشباه أرواحنا وقلوبنا! الحياة يا صديقتي واضحة وصريحة لا تخدعنا! هي بوجه واحد؛ ربما له نصف جميل ونصف قبيح! نصف مضيء كصباح العيد ونصف معتم كليلة خسوف بلا شروق!

كل ما نراه من عجائبها إنما هو حقيقتها والتي نفضّل تجاهلها في بعض الاحايين لأننا احترنا في فهمها فاخترنا جانبا واحدا وأنكرنا الآخر! وكيف بربّك يا صديقتي سنتمكن من التوازن في مشينا على طريقها إذا لم نتقبل وجهها بحقيقته وبنصفيه الاثنين؟

***

حدث قبل شهر تقريبًا أن كنت في مبنى الأحوال المدنية بحي الصفا، القسم النسائي.. ذهبت اليه يوم سفر أطفالي؛ لاستخراج هوية طفلتي ذات الاثني عشر ربيعًا.. كان المبنى مزدحمًا يكتظ بالمراجعات من كل الاعمار والجنسيات، ولكل مراجعة قصة وسبب للوجود منذ بداية الدوام! الموظفات كخلية النحل ينجزن اعمالهن بهدوء المعتاد على الازدحام، وأظن أن رتابة العمل جعلتهن يعتدن على المنظر والجو العام للمكان.

كنت متوترة حقًا لأن رحلة أولادي بعد سويعات معدودة، والتي قرروا مع والدهم فجأة موعدها، فاضطررت للذهاب في ذات يوم السفر إلى الأحوال لأن طفلتي الصغيرة لن تتمكن من الصعود للطائرة بدون هويتها! وخلال انتظاري أن يعمل الجهاز بين يدي الموظفة التي أجابت بأن الجهاز معلّق، عندما سألناها: ليه مستنيين؟ حضرت إنسانة لها هالة جميلة مضيئة، أخذت تدور بين المراجعات تسأل وتستفسر ثم توجه إحداهن بالذهاب إلى مكتب رقم (…)، والأخرى بضرورة أخذ رقم، حتى وصلت إليّ وسألتني، وعندما أخبرتها أنني هنا لاستلام هوية ابنتي، توجهت فورًا إلى الموظفة المسؤولة وتبادلت معها بضع كلمات ثم خرجت، هذا كله وهي تبتسم لي ولمن ينتظرن معي، ولم تتوقف عند ذلك، بل ذهبت إلى مكتب الاستقبال وبدأت بالتحرك بخفة ونشاط ليسير طابور المنتظرات لأخذ رقم بشكل أسرع، وكان ما أرادت! وأنا أراقبها بصمت خلال انتظاري، زال توتري من جمال ما رأيت وربما لأنها أخذت تركيزي كاملًا!

ما أخف روحها وما أجملها! تتحدث مع كل مراجعة، مولية لها كامل الاهتمام والعناية، منصتة شارحة برحابة كبيرة!.. حضرت موظفة أخرى جلست بجوار صاحبتنا التي عمل جهازها المعلّق أخيرًا.. تعاونت الاثنتان لتسليم الهويات، استلمت الهوية وشكرتهنّ ورجوت لهنّ يومًا لطيفًا، ثم توجهت إلى مكتب الاستقبال في بداية الصالة الكبيرة حيث تقف «بسمة» تلك الجميلة التي نظمت هذه الصالة حقيقة، كانت منهمكة في عملها، ولكنني وددت أن أشكرها وأخبرها أنها تقوم بعمل رائع. 

ذهبت إلى موظفة الأمن وسألتها عن اسم الموظفة الباسمة، ولست اذكر الاسم؛ وهذا عيب من عيوبي الكثيرة حيث أنسى الملامح والأسماء، ونادرًا ما أتذكر الإنسان من العيون التي تشدني، وهذا لا يتكرر كثيرًا!

أظن أن اسمها بسمة، أو ربما اخترت هذا الاسم لأنه يناسبها! المهم.. طلبت ورقة وقلما من موظفة الأمن، وكتبت لبسمة رسالة شكر صغيرة، وذيلتها بأنني سأكتب عنها، وسينشر المقال في موقع اسمه «حانة الشعراء» وأنني أرجو أن تقرأ ما سأكتب عنها!

وبينما أضع الورقة في يد موظفة الأمن، التفتت بسمة اليّ، وسألت إذا كنت أحتاج مساعدة! أجبتها بابتسامة: لا أبدا تسلمي حبيبتي بس كتبتلك ملاحظة، يا ريت تقرأيها إذا فضيتي، شكرًا للطفك.. ردت الابتسامة، وعلامة تعجب على ملامحها، واخذت الورقة من موظفة الأمن، وغادرت أنا المبنى مسرعة إلى سيارتي لآخذ أولادي الأحبة إلى المطار.

ذكرت قصة بسمة لأنها من وجوه الحياة المضيئة الرقيقة، الناعمة اللطيفة، المبتسمة الأليفة.. ولأنها صنعت يومي، وأزالت توتري من حيث لم تعلم أو تفكر! ووجودها من أنواع الوجود الذي كلما تقاطع طريقي معه، رأيت الحياة بصورتها الحقيقية.. وجه واحد بنصفين، وليَ أن أركز على ما شئت! ولو أراد أحدنا أن ينكر هذه الناحية من وجه الحياة؛ لتجاهل وجود بسمة ولطفها وبسمتها التي تتكرر في حياة كل واحد منا بصور كثيرة متعددة متباينة، ولو أراد أن يرى ما اعتقد بأنه الحقيقة، وهو أن للحياة وجه واحد واضح حقيقي، أو نظر إليها بدون تفاؤل غبي أو تشاؤم مقيت؛ لرأى أنها حلوة جميلة إذا قرر أن ينظر من الزاوية الصحيحة أولًا.. ثانيًا، إذا قرر أن يصدق حتى أن نصف وجهها الحزين القاتم الخشن ضروري لاكتمال الجمال!

أرجو أن تقرئي هذه الكلمات يا موظفة الأحوال اللطيفة، يا بسمة ذلك المكان وحيويته وبهاؤه.

6 آراء على “بسمة.. وجه الحياة المضيء 

  1. الله الله الله!
    يا ابنة الحرف يا نورا أنتِ رائعة فتنة الحرف. أحببت واعجبتني كيفية التشبيه .. التشبيه في نصوصك لا مثيل له!
    طابت انفاسك ، وأنا أقرأ رويدًا رويدًا و أردد الله يا نورا العظيمة الله، أفتخر فيك و في كل مقال جديد يجعل للحياة عنوان لأن الحرف أنتِ من تحركيه و يصبح له عنوان.
    اما عن بسمة شكرًا ملء السماء لها في هذا الوجود قليل من يعمل بما عملت به، هي فعلًا إنسانة رائعة و أرجو أن تقرأ ما كتبتي عنها فهي تستحق الفرح مثلما زرعت بروحك النور و الفرح.

    إعجاب

  2. ياسلام حقيقي يانورا اهنيكي على هذا الزخم والاثراء واستخدام المعاني والصور الجميلة والانسيابيه الجميلة في انتقاء الكلمات ، من لا يشكر الناس لا يشكر الله هي من أجمل العبارات التي يتم البحث عنها إذ أن كلمات الشكر والثناء على الآخرين واحدة من أهم الكلمات التي قد نتبادلها في حياتنا اليومية لأنها تسهم في إشاعة أجواء من الألفة والمحبة والاحترام المتبادل فضلا عن أن أهميتها تتفوق أحيانا على أهمية الأجر المادي. عبارات من لا يشكر الناس لا يشكر الله لا تأتي أهميتها من فراغ فهي تدل على تقديرك لما يقوم به الآخرين من جهود طيبة وصادقة اتجاهك ومن لا يعترف بفضل الآخرين عليه إنما هو جاحد والجحود واحد من أبغض ما قد يتصف به البشر.
    شكر الناس يجب ان يستخدم في كل مناسبة وليست خاصة لظروف معينة أو حوادث محدودة. هذه المشاعر والامتنان تحمل في طياتها الكثير من المعاني الطيبة وهي جزء من حديث شريف فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر الله»

    هذا ان دل فإنما يدل على نقاء سريرتك وطيبة قلبك وسموا اخلاقك الجميلة ، انتي مثال للكاتبة العصرية التي تنتقي عباراتها وكلماتها بكل جمال وانسيابية ، هنيئا لشريك حياتك بشخص رقيق ودافئ مثلك تحياتي

    إعجاب

  3. لكل شيء في الحياة وجهان ومن الأفضل التقبل والتعايش ،
    نورا وبسمة اجتمعتما أنتِ بنور وجهك وروحك وهي بابتسامتها ولُطفها .

    إعجاب

  4. ما رأيته في بسمة هذا انعكاس لروحك اللتي ترى وجه الحياة المضيء .. ما رأيته من الجمال في عيني بسمة هز ‏فضولي لأراها ..

    أستاذتي نورا، لا أملك حس الكتابه بالفصحى مثلك لأعبر عن ما بداخلي من إحساس عميق تجاه روحك الجميلة ، من اليوم الأول الذي رأيتك فيه في الصف. كنت أريد الاقتراب ولكن كان الخوف و ‏تضارب المشاعر اقوى مني. كنت أتمنى أن أكون الطالبة المجتهدة كالباقين ولكن كانت الظروف أقوى مني من ناحية عملي و أهلي. كنت أمر بإكتئاب شديد ونظره سوداويه للحياة. كنت أرى إقبال البنات عليك يزاداد يوم بعد يوم حبك لهم وتعلقك ورحمتك بهم تزداد والعكس. كنت أشعر بأنني ابتعد أكثر بدأت اصبح غير ملحوظة. أحيانا تجبرنا الظروف والمخاوف من عدم الاقتراب بعض الاقتراب مخيف يجعلك تخاف من نفسك. لن أكذب ندمت قليلاً ولكن تمنيت أن تكتب لي فرصة أخرى على تطبيق سناب شات. كنت الاحظك في الممرات و أغبط من هم حولك ومن اصبحوا مقربين جداً منك .. ولكن الحمدلله علمت بأنك تسكنين بالقرب من حينا هذا أعطاني شعور ان روحك قريبه جدا. الأرواح تميل لمن يشابهها وأنا احسست بعد مده من اليأس من البشر بسبب التنمر الذي كنت أعاني منه في الصف وغيره ،،، أن هناك روح موجوده حولي تطبطب علي بصوتها وعطائها و رحمتها و إحساسها الصادق .. كنت روح تخفف من بؤسي في الصف .

    أسترسلت في الحديث ولكن ربما كانت هذه فرصه لأعبر عن قليل من ما في داخلي..

    أشكرك لأنك كنتي أمل وحياة للروح طفلة و ضحكة جميله وفراشة رقيقه وخفيفه ، أحبها الكثير البعض خافوا الإقتراب منها لربما لحكمه.

    إعجاب

  5. جميل عزيزتي نورا.. تحياتي لك .. وتحياتي لبسمة.. انها نموذج للإنسان الجدير بالاحترام.

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s