من أرض الترجمان

من أرض الترجمان

صالح الرزوق

اللوحة: الفنان الفرنسي هوراس فيرنيه 

في طريق العودة غادرنا أرض الترجمان منذ الصباح الباكر.

لم أشاهد وراء نافذة الحافلة غير الرمال. كانت في كل سيناء وتذكّرك بتيه موسى وبنيه. ولكن لم أبذل جهدا طويلا في تأمل هذه الظواهر الطبيعية، وانشغلت بقراءة أجزاء من سفر البنيان لجمال الغيطاني. كنت قد حملت في حقيبة اليد عددا من المؤلفات الجديدة، كالعادة، ووضعت بينها عبوة حليب مختومة. كان اسمها “لبن السعادة”.

حينما وصلنا إلى ميناء نويبع، وقفت بالطابور تحت لهيب الشمس بانتظار الحصول على تأشيرة من ضابط الجمارك. وبسبب الزحام لم أتمكن من رؤية وجهه ولا قامته.

بدأت أتلفت فيما حولي لأستطلع معالم المكان، ولم أرَ غير المياه البعيدة، راكدة ومستقيمة وعلى امتداد البصر، حتى الأفق الضال. وكان هناك على رصيف الميناء الطوافة الإكسبريس، مركبة بحرية أغدقوا عليها الرايات الملونة. كانت أشبه بطوربيد ملكي في انتظار حفل تشريفات. وبعد أن تمت التأشيرة، رسم الضابط على وجهه ابتسامة لم أوفق في حل ألغازها، ولكني شاهدت النجوم التي حملها على كتفيه، براقة وبلون ذهبي أو أصفر مكتوم كما لو أنها تعكس لظى الشمس الملتهبة، وبسبب هذا العذاب خطر لي إنها النجوم التي تبزغ في منتصف النهار. وهنا نظرت إلى الصفحة المفتوحة من جواز سفري. ورأيت الخاتم باللون الأزرق المستدير وعليه التوقيع. رفعت بصري إلى وجه الضابط الشاب الحليق والمتفائل، وقلت: شكرا. ثم تابعت إلى سطح الطوافة دون أن ألتفت إلى الخلف. 

كم كان يعزّ عليّ أن أودع بر مصر المحروسة، على الرغم من هذا الهجير. كانت للهواء نفحة حارة، وهي تأتي إليك من وراء رمال عمرها سنوات من القحط، ودهر من الحروب، وعدة قوافل من أموات سقطوا على الدرب..هبّت علي في متن المركب وهو يتأرجح بين الأمواج نسمات من أجهزة التكييف، فدبّت القشعريرة في بدني. كنت لا أحبذ هذا النوع من التهوية. لذلك انتبذت في زاوية معزولة بالقرب من باب يحمل إشارة الخطر، ولا أعلم ماذا وراءه. ثم استرسلت مع تأملاتي في مياه البحر الأبيض. كنت أحاول أن أتخيل ماذا يوجد بعد هذا البون المائي من الطرف الثاني.

وحينما انطلقنا باتجاه خليج العقبة، على ما أقدّر، حانت مني التفاتة إلى جماعة من السياح الأجانب كانوا يجرعون نبذات من سوائل مغذية أو من شراب كحولي لونه أصفر، فانتبهت إلى سيدة بينهم، لها من العمر حوالي ثلاثين عاما، شعرها أسود وعيناها متسعتان.

التقت أبصارنا مقدار طرفة عين بغير قصد. لكن ذلك كان بمثابة ذكرى لا تمحى.

كان لنظراتها مغزى. هذا ما أستطيع قوله بهذا الصدد.

لم أتعمد أن أنظر إلى تلك الناحية مرة أخرى. وغرقت بين صفحات الكتاب الذي في يدي أو استراق النظر إلى اللجة، وهنا وقعت الصدفة الأخرى.

رأيت ذيل حوت عملاق، حيوان ثديي حزين تبقى لنا في حديقتنا الجوراسية بعد انقراض الديناصورات، ثم هبط إلى الأعماق من جديد.

لم يسبق لي في يوم واحد أن تلقيت رسالتين. نظرات عابرة من أنثى مثقلة بالمعنى، ومشاهدة لهو مأساوي في الماء.

في خليج العقبة وبعد أن تجاوزنا الجمارك.. الحقيبة في يدي، ومن غير عبوة الحليب “السعيد” الذي اضمحل لونه، على الأغلب من أشعة الشمس المباشرة، وقفت أنتظر حافلة تنقلني إلى عمّان. وهناك، وعلى الرصيف نفسه، رأيت السيدة ذاتها.. وحدها.. شاردة عن بقية القطيع.. جوقة السياح.

كان شعرها معقودا على رأسها، ولا ترتدي غير بلوزة خفيفة بشيالات ومن غير أكمام. ضيقة ومشدودة على الخصر وعند الثديين، مع شورت مخطط بالأزرق والرمادي..

نظرت إليها مليا، ولاحظت كم هي بائسة بسبب هذا الجو الخانق، وبسبب البعد عن العمران ووسائل المواصلات. ثم رميت بصري باتجاه آخر، نحو قمم لها لون السماء اللجيني.. بعيدة وغامضة، ويبزغ منها ضوء عسير.

انتظرنا طويلا دون أن ينضم إلينا أحد. ولم أدرك ما هو السبب الحقيقي، ثم رأيت من بعيد سيارة تاكسي قادمة باتجاهنا. أظن أنها من نوع دوج وبرفراف من النيكل الأبيض المشحوذ، لقد كان ذلك يعكس أشعة الشمس ويجعلها تبدو مثل غرنوق بسط جناحيه استعدادا للتحليق.

وهنا التفتت تلك السيدة نحوي، وسألت بلغة إنكليزية من غير رطانة: هل تنوي الذهاب إلى عمّان؟

قلت: نعم.

فاقتربت مني بمقدار عدة خطوات، وقالت: ما رأيك لو نذهب بالسيارة ونتقاسم الأجرة؟ قد تتأخر الحافلة.

طبعا لم أمانع. وجدت في ذلك خلاصا من عذاب الانتظار، ومن المكابدة مع العطش والاحتمالات الأخرى. وهكذا اقتربت بدوري من السيدة المجهولة عدة خطوات، فالتقينا في منتصف المسافة، وجها لوجه. وسنحت لي الفرصة مرة أخرى لملاحظة طبيعة نظراتها المحملة بالمعاني، وباشتقاقات وتكهنات يصعب تحديد مضمونها. كانت عيناها عميقتين.. بئرا مفتوحة على أعماق، أحسن صاحبها الحيطة منها. بيدها حقيبتها التي تشبه جعبة كانغارو هارب، وبيدي حقيبة مع سفر البنيان، وكلام في السياسة، وساعة مغرب وسواها. تبادلنا التحية بالأسماء.

قالت: أنا جين من اسكوتلاندا..

وأرفقت ذلك بابتسامة ذاب لها شغاف قلبي. ابتسامة تعبر عن الروح الشاردة في الداخل. عن أزمة أو مشكلة مجهولة وتبحث عن حل لها.

ثم ذكرت لها اسمي. ربما لم تسمعه جيدا. فقد أصبحت السيارة قريبة منا، مع صخبها وضوضائها.. صوت المحرك ونفير البوق الأبتر المتقطع. وكان السائق وراء المقعد، بدينا وعلى رأسه غطاء الرأس التقليدي، منديل أبيض وعقال….!


صالح الرزوق، كاتب وناقد ومترجم سوري، مواليد عام ١٩٥٩، درس في جامعة حلب وفي بولندا وعدة جامعات بريطانية. له مجموعة من المؤلفات الأدبية، منها «المأساة في الأدب»، «فوكو والجنسانية»، «الحركة الرومنسية في القصة السورية»، «موت الرواية – أزمة الخيال الفني بعد عام ١٩٨٥»، «تحرير الحداثة: الرواية المضادة في أعمال سعد محمد رحيم»، بالإضافة إلى ترجمات في الصناعة والتكنولوجيا. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s