«الطريق الضيق إلى عمق الشمال» لماتسو باشو – 2

«الطريق الضيق إلى عمق الشمال» لماتسو باشو – 2

 ترجمة: حسني التهامي

اللوحة: ماتسو باشو بريشة الفنان الياباني أوغاوا هاريتسو أحد تلامذة باشو

قمنا بزيارة جوبوجي، كبير الموالين لحاكم كوروبان، فابتهج كثيرا لرؤيتنا، وتجاذبنا أطراف الحديث ليل نهار في الهواء الطلق، كما دعانا شقيقه الأصغر، توسي، إلى بيته، وهناك تعرفنا على أقاربه وأصدقائه؛ وهكذا مرت اللحظات.

ذات يوم، أثناء تجوالنا إلى أطراف البلدة، وقعت أعيننا على أرض الرماية التي امتلأت ببقايا الكلاب الهرمة بعد أن أطلق النار عليها (١).

أسرعنا الخطى نحو السهول لإلقاء التحية على قبر السيدة تامامو، ومن ثم على ضريح حشيمان. مع حلول الليل عُدنا إلى بيت توسي، ثم دعينا إلى معبد كوميوجي الجبلي المجاور لمبيتنا، فتعبَّدنا في قاعةٍ داخل المعبد، مُخصَّصة للزُهّاد:

في جبال الصيف

نلهجُ بالدعوات أمام الأحذية …

تبدأ الرحلة الآن

في هذه المقاطعة على قمم الجبال خلف معبد أنجانجي، يقيم الكاهن بوتشو في أحد الأديرة، وكان قد أخبرني ذات مرة أنه نقش القصيدة التالية بقطعة من فحم الصنوبر على أحد الصخور:

آه كم أكره

تشييد مأوى،

أو حتى كوخ قش

ذا طول أو عرض دون الخمس أقدام –

في غياب المطر

أردت تفحُّص ما تبقى من الكوخ، ثم تهيَّأتُ للمسير يرافقني ثلة من الشباب، ظلوا يثرثرون، وعلى محيَّاهم علامات الفرح، حتى وصلنا إلى سفح الجبل. امتدت بنا طريق الوادي التي كانت تصطف على جانبيها أشجار الصنوبر والأرز الدكناء. الندى يتقاطر من الطحالب، كنا في شهر إبريل [مطلع الصيف]، مع ذلك كان الجو لا يزال باردًا. أثناء مرورنا بجميع المشاهد العشر، (٢) عبرنا الجسر مرورا ببوابة المعبد.

تملكتني الرغبة في استكتشاف مكان الدير، فصعدت إلى أعلى التل خلف المعبد ودلفت إلى كوخ صغير مشيَّد على صخرة متكئة على كهف. كان الأمر أشبه بالاقتراب من “بوابة الموت” للراهب مياو، أو غرفة الراهب فايون الحجرية. على لوح داخل الكوخ كتبت أبياتا شعرية مرتجلة:

صوب أشجار الصيف

حتى نقار الخشب

يغادر الدير في سلام

من مدينة كوروبان، انطلقنا صوب “الحجر القاتل” على ظهر حصان أعارنيه جوبوجي. أثناء رحلتنا أذهلني الرجل الذي كان يقود الحصان باهتماته وحسه الفني، لذا عندما طلب أن أخطَّ له قصيدة؛ أهديته ذلك النص:

 استدر بالخيل

نحو السهل، انطلق هناك الآن!

نداء الوقواق …

ينتصب “الحجر القاتل” تحت ظل جبل مظلم بالقرب من ينبوع ساخن. الغازات المنبعثة من الصخرة كانت لا تزال مليئة بالسموم، أدى كل هذا إلى نفوق الكثير من النحل والفراشات والحشرات الأخرى، فلم يعد بإمكاننا تحديد لون الرمل.

في أشينو، كانت الصفصافة الباكية التي “تتدفق منها المياه النقية والبلورية”، منتصبة على الضفة بين حقلين من حقول الأرز. أخبرنا مسؤول محلي هناك، يُدعى كوهو، أنه يود أن يصطحبني إلى الشجرة التي كثيرًا ما كنت أتساءل عن مكانها، وها أنذا الآن استريح تحت ظلالها:

 حقل أرز بأكملهِ

زُرع – قبل أن

أغادر الصفصافة

تمر الأيام تباعا، وقد اكتنفها قلق غامض. اقتربنا الآن من حاجز شيراكاوا، وللمرة الأولى ينتابني إحساس فعلي ببداية الرحلة. في هذه الأثناء استطعت أن أفهم سبب رغبة الشاعر (٣)، في هذا المكان، في أن يًطمئن الناس في العاصمة باجتياز “الحاجز”.

كواحد من “الحواجز الثلاثة” في الطريق إلى الشمال، كان شيراكاوا محط أنظار الشعراء والكتَّاب. في خضم شغفي بخضرة أوراق الشجر، كانت رياح الخريف تدوي في آذني، والأوراق القرمزية تتراقص أمام مخيلتي. بياض نبات الـ”دتزية، والزهور البيضاء المتعرشة أعطتنا إحساسا كما لو كنا نعبر حاجزا مغمورا بالثلج.

 يعتقد كيسوكي (٤) أنه منذ زمن بعيد، اعتاد الناس على ارتداء قبعاتهم بشكل مستقيم، وعلى تبديل ملابسهم أثناء العبور. كتب سورا:

أغصان “دتزية

تزيّن قبعاتنا – زي رسمي

عند الحاجز

 واضح أن حاجز شيراكاوا لا يمثل فقط حدا جغرافيا فحسب لكلا الشاعرين، بل نقطة عبور حواجز نفسية وعاطفية.

اجتزنا الحاجز ثم عبرنا نهر أبوكوما. على يسارنا، ارتفعت قمة إيزو عاليا؛ وعلى اليمين، امتدت مناطق إيواكي وسوما وميهارو؛ ومن خلفنا تلال تفصل بين مقاطعات هيتاشي وشيموتسوكي. مررنا بكاجينوما (مستنقع الظلال)، لكن الغيوم التي عبَّأت السماء في ذلك اليوم، حالت دون انعكاسات على سطح البحيرة.

في بلدة سوكاغاوا مكثنا أربعة أو خمسة أيام. زرنا خلالها الشاعر توكيو الذى بادرنا بسؤاله: “كيف كان إحساسك عند عبور الحاجز في شيراكاوا؟” فأجبت بأن مشاق رحلتنا الطويلة قد تركت جسدي وروحي خائرين.

سحرني جمال الطبيعة الخلاب، وأيقظ بداخلي ذكريات الماضي، لم يكن بوسعي كتابة قصيدة تروق لي، لكن ليس مقبولا أن تمرَ تلك اللحظات العابرة دون تدوينها. فكتبتُ قائلا:

ميلاد الخيال!

أنشودة زراعة الارز

في عمق الشمال


(١) يشير مصطلح إطلاق النار على الكلاب إلى لعبة يتنافس فيها راكبو الخيول ليصوبوا على الكلاب برؤوس سهام ثالمة.

(٢) كان في اعتقاد سورا رفيق باشو، أن جميع المشاهد العشر كانت في الأساس صخورا وأبنية معروفة،

وكتلا من أخشاب البرقوق والخيزران داخل حرم المعبد.

(٣) هنا إشارة إلى قصيدة كتبها تايرا نو كانيموري المتوفى (990م)، وعبَّر فيها عن رغبته في إبلاغ

الناس بالعاصمة أنه عبر الحاجز.

(٤) كيسوكي Kiyosuke  كاتب (1104-77) يوثق كتابه في الشعر تقليد تبديل الملابس عند عبور

حاجز شيراكاوا.


«الطريق الضيق إلى عمق الشمال» لماتسو باشو – 1

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s