القصة القصيرة جدا.. من كثافة المعنى الى رذاذ التأويل

القصة القصيرة جدا.. من كثافة المعنى الى رذاذ التأويل

سليم الشيخلي

اللوحة: الفنان السوري محمد غنوم

«بقدر قليل من الكلمات يصطاد المؤلف الذكي الصبور تلك الومضة الشهابية العابرة ليعلقها جدار الإبداع ايقونة تثير تساءولات، تنير أزقة بمصابيح التأويل تحت تأثير سحر إسطوري للسعة مغامرة….» هكذا يكون المعمار البنائي المتحرك للقصة القصيرة جدا.

«عندما استيقظ من نومه وجد إن الديناصور مايزال ينام جنبه»

قرأتها منتصف تسعينات القرن الفائت مقدمة لكتاب تحت عنوان ” القصة القصيرة في الأدب اللاتيني المعاصر ” للكاتب الغواتيمالي اوجستو مونتيروسو واعتقد إنه كتبها عام 1952والذي يعتبر من ابرع وابرز كتاب القصة القصيرة جدا باللغة الاسبانية طوقني دهشة بكلاليبها لتهزني من الداخل فتركت الكتاب ورحت أطلق عنان خيالي في دهاليز الوهم متخيلا الديناصور في عدة صور… الزوجة / الحماة / المدير / رجل الأمن الواقف عند ناصية الشارع وربما حياته كلها لأصبح جزءً من غواية المؤلف تحت تأثير تلك اللسعة السريعة المغامرة واستنبط من الصور ما أشاء فآفاق التآويل مفتوحة بلا جدران. 

ماء الحياة

«وقف عصفور قرب عصفورين يمارسان الحياة،…. وظلا هكذاالى الابد»

هل هي ثورة جديدة تماهي تلك الومضات الشعرية القصيرة. لا اعتقد ذلك فلها جذور تتناسق داخل كهوف/ حمم نتاجات الإنسان القديم الثقافية فتجدها تمد بقوامها داخل الأساطير، التراتيل الدينية، الغناء الجماعي والفردي، وتدس قدها برشاقة بين أبيات اكثر قصائدنا والمعلقات خير مثال لذلك وكم من الروايات والمسرحيات، لكنها لم تحصل على استقلاليتها وفرض هيبتها كفن قائم بذاته الا في السنوات الاخيرة وبتأثير المدارس الأجنبية. وبتطور الأدب دست نفسها بكل رشاقة راقصة بالية في القصص والمسرح. تجرأت داخل البعض النخبوي من خلال قطعة موسيقية أن يبني قصة قصيرة جدا على موجات اللحن باتحاد سحري عجيب. وقد حفل القرآن الكريم بقصص كثيرة لكنها مباشرة وواضحة لأغراص توجيهية تربوية دينية.

الطلقة

«هو الذي رآى طفولته ووجوه أحبة يهرعان معها نحوه. امسك بعمود ليرحل واقفا»

يشير الناقد البيروني راميرو كريستوبال أن خوليو توري اولمن بدأ نشر هذا الصنف من الادب عام 1917 في امريكا اللاتينية وقد جرب بعده عدد غير قليل من الكتاب الذي يبدو للوهلة الأولى سهلا وهينا ( ويؤسفني أن أقرأ لكثير من الشباب ما يسموه بالقصة القصيرة جدا دون الإلتزام بقواعد كتابتها ) لكنه على العكس يتطلب قدرا من الدقة والمهارة، التركيز والخيال ودقة الملاحظة وثقافة متنوعة عامة، إذ أن سطرا واحدا منها يجنح بخيال القارئ، سالبا لبه، مرغما إياه أن يكون جزءً من العمل اعمق واصدق من فصل طويل في رواية. وقد نوه الكاتب الارجنتيني خوليو كاتثار في إحدى المناسبات بما يجب توافرة في “ق. ق. ج” الحدة/ المدلول، العقدة/ الصراع و التوتر. 

كتابة القصة عند الكاتب رولفو ضربات فاس هنا وهناك وعملية مراجعة،حذف وإضافة. ولها فرصة واحدة من الزمن والحيز، يتقرر حظها مباشرة بعد مرحلتين: كتابتها ثم قرائتها فأي تعديل أو إضافة لاحقة أو تنسيق اسلوبي لا جدوى منه.أي انها ومضة تتفجر في الداخل بشكل غير متعمد.

حواء

«حاولت أن تبدل قلمها غدارة فلم تجد مكانا للحبر. لغمت قلمها رصاصا ومارست طقوس كتابتها من محرابها الجديد.»

للعنوان أهمية كبرى في توجيه خيال المتلقي الى دهاليز التأويل اللاغية للعالم الخارجي وتأثيثه بسحر شخصيتها وحركتها، هيمنة تسوره ببخورها ومناسكها.الحدث بها ومضة لاسعة وحدة غير طبيعية، القارئ جزء مهم واساسي في العمل من خلال تفكيكيه وتحليليه له وملء ما خلف رموزها من اسرار وفك طلاسمها. لذا كثرت تفسيرات متلقين كثر لعمل واحد فكل يدخلها مختبره الفنتازي ويحللها بقناعاته

ومن اهم مميزاتها التكثيف فحذف أي كلمة دون الإخلال بالمعنى ضرورة لتبدو مثل الثقوب السوداء صغيرة الحجم كبيرة التأثير. كل كلمة منتقاة ببراعة وحرفنة لجعل المدى/ السراب في متناول اليد، ومن المستحسن أن تكون شاعرية الايقاع.

تبدوا انها كتبت للنخبة المهتمة بالثقافة والقادرة على السير فوق صفيح ال ق. ق. ج

الساخن بمقوماته، ليست خبرا صحفيا ” خرج ولم يعد ” تمر عليه باعتيادية وينتهي حين الانتهاء من قراءته.لانها تستسقي اهميتها لا من قصرها بل من حضورها في ذهن القارئ وتملكها له صانعة علاقة جدلية بينهما في تكوين تآلف يرقي بالعمل 

باكتشاف افكار جديدة.

انسجام

أحبته برقة ندى، أحبها بعنف عاصفة. داعبها برجولة دافئة فاستجابت قافلة فراشات نحو شمس شتائية…. بعدخمسين عام لم يبك رحيلها لانها افقدته الذاكرة.

شبكة

«يبووووه.. خدشت الليل بانوثتها. ثلاث طلقات اخرست الليل الى الابد.»

السومري

«رحل الليل لكنه ظل في عماه، الفجر لم يأتي بعد»

وما بعدها

سرت إشاعة أن ملك الغابة في غرفة الإنعاش، سور الوجوم كائنات الوداعة. امتلأت الغابة بنهيق الحمار، سرقات الثعالب وغازات آكلي الجيف.


سليم الشيخلي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s