قراءة في ديوان «ابيضت عينك» لمحمد عزيز

قراءة في ديوان «ابيضت عينك» لمحمد عزيز

حنان عبد القادر

الحزن جوانا أصبح مشاع

مألوف زي البرد زي الصداع 

هذا هو حزن محمد عزيز الذي آل على نفسه أن تلتف به روحه، حزن لم يعد له جلال الحضور، فتلبسه حتى صارت بينهما علاقة عشق لا تنتهي.

يطالعنا محمد عزيز بحزنه الممتد من العنوان مرورا بالإرهاصة الأولى لجاهين، ويقلنا معه في قطار الحياة التي تقطر جوانبه بالوجع، إلا قطرة ربما مسد بها الجراح.

بالنظر إلى مجموع ما خط هنا في هذا العمل، نجد ثيمة الحزن والألم والأوجاع غالبة، والحبيبة بوجوهها البادية، ضعيفة، خائنة، تقتات على دم أحبابها، تبيعهم للعابرين.

هي الحبيبة الأم الوطن، وهو المحب الحالم بالتغيير رغم (إن الإيد قصيرة) لكنه لايملك إلا الحلم وانكسارات تحققه.

وبالنظر لتلك الانكسارات نجده سببا فيها، لحلمه بالمتغير وتركه الباقي المستقر، نجد ذلك في: (غياب) حيث عقد آماله على جانبين: القصيدة.. الحلم الهدف، والحبيبة، فترك الباقي، القصيدة، وسعى خلف المتغير: الحبيبة، ليصب فيها كل طموحاته، ولم يحسب تغيرها، حاجتها لقدر من الحرية بعيدا عن حبه الخانق فكانت النتيجة أنه: حبها قوي قوي لحد ما كرهته، فانتبه للذي ضيعه، وأراد استرداده: بيحاول يغير أرض جسمه، بأرض عفية 

محاولة للتغيير، للسعي إلى أهداف وفكر جديد في الحياة، ولن يحدث ذلك إلا بتغيير الذات “إن الله لايغير ما بقوم..”

تبرز فلسفة الشاعر ورؤيته للحياة التي تكونت بعد تأمل عميق، فاكتشف أن ما يكره، وما يؤزم الحياة ويؤخرها كله نابع من ذاته هو، وما كان ذلك كله إلا من بنات أفكاره:

ولأول مرة كان بيكتشف

إنه من يوم ما اتولد

هو كل الناس اللي حواليه.

وهي دعوة للتسامي على المحبطات الداخلية لأنها صناعة ذاتية لن تتغير إلا بالإرادة، ومحاولة تغيير الفكر والأهداف. 

وهي في ذلك تتواصل بخيط رفيع مع سابقتها، ونجد استمرار هذا التواصل أيضا في: ” وهم “، حيث يرى ” الحزن أكبر وهم في الدنيا “، أي هو أيضا صناعة ذاتية، لكننا نستمرئ الدخول لعوالمه رغم وقوفنا على الحقيقة، وما ذاك إلا لأننا مدفوعون إليه قسرا ممن نحب فنأوي مكسورين إليه.

وبلكونة عزيز، كشفت له وهما آخر كان يعيشه، هو وهم الصدق والأمانة، فرأى الحبيبة رغم إخلاصه، تخون، وكأنه يضعنا على عتبات خيانة من البداية:

خيانة الأيام والظروف “رجع م الحرب إيده مقطوعة فهجرته القصيدة” لإحساسها جواه بالسجن، وخيانة الحبيبة بهجرها لسجنه لها في حبه، وتركها له رغم صدق محبته، لتحب غيره في نفس المكان، ولا تتورع أن تعدد عشاقها على مرأى منه، وخيانة الأصحاب واكتشافة أن ضحكهم لم يكن إلا عليه، فيزيدون انكسار روحه.

ثم يأخذنا معه في رحلة حياة ترسمها لنا: “لما يدوق النعمة” … يرسم لنا كيف تغير الظروف الإنسان، تغير مبادئه ونظرته للحياة، وهي من طرف خفي ترتبط “بزحمة”، وكأن كل ما يرفضه في الحياة، يقبله بعد فترة، وكل ما يؤمن به، يتبدل بعد خبرة، فسبحان من يقلب القلوب ويكون له الدوام.

ويعود يطلعنا على طفل الروح الذي مازال يركض في دمه، ولا تخرجه إلا لمسة حانية من المحبوبة “برموزها المتباينة عند محمد عزيز”، فتطلق سراحه من سجن الجسد إلى عالم الحرية.

والولد العفريت أبو ألف دماغ، يرفض امتلاك روحه حتى لوكان منها، يحلم بالتغيير، بغد مختلف، لكنها تعود – لفرط خشية عليه تعلمه درس الخضوع والخوف:

النور مش من حقك

اوعاك تعرف معنى القيمة

اوعى تشم الريح احسن تفهم

ويعاود استشهاده بأمل دنقل، ليؤكد أن المصاعب والحواجز تعلمنا قيمة التمرد والبحث عن الحرية.

رحلة حياتية أخرى في كادرات عزيز، الحب الذي لايستطيع المقاومة أمام الصعوبات والانكسارات المتوالية للروح، فتتبدل مشاعر الإنسان، ويتقلب قلبه فلا يصمد أمام الأوجاع:

ولا عدتش قادرافلفص من نفسي

ولا عدتي شانت البنت ام ضفيرة 

والحلم اللي مكتف رجليه ف بعض 

مابقاش هو حقيقتي.

فلا هي صارت كما كانت قبلا في عينيه، ولا هو احتفظ بروحه، وما عاد العطاء بينهما مستمرا:

خصلة شعرك رفضت ترمي بشارتك على وشي 

يمكن أرتد بصير 

ويقول:

ايه معنى الوردة لما إيدك تقدمها لي وانا بغرق 

وفي محاولة لاستعادة ما كان من حب وعطاء يحاول كل منهما استعادة مشاعره تجاه الآخر دون جدوى، فقد بدد الوجع كل شيء

بحاول اشوفك بمشاعر السنة اللي فاتت

ايه اللي اتغير فينا 

كنت متأكد انك مش قادرة تشوفيني بشاعر السنة اللي فاتت 

كلاهما وصل إلى نفس النتيجة، نفس الصدود، التغير، شطوط الوجع، وقمة الحزن الذي به 

ابيضت عينك 

هجرك دمعك

زي ما هجرك حلم الولد اللي اتمنيته 

علشان يطلع وياكو في قلب الصورة وهو بيضحك.

وفي ظلمة روح، نجد المعاناة، واليأس من تحقق الحلم يجعله يختار البقاء في الظلام خيرا من ظهوره لأن في ذلك على حد تعبير الشاعر: أحسن من وجع الراس.

أما الحكاية اللي لازم تموت، تتبدى معاناته جلية من البلاد التي تخون، الوطن الذي يأكل أحلام أبنائه،راهنوا ب؟أحلامهم عليه فخسروا رهاناتهم 

مجاذيب اتشدوا لعنيك اللي بتخون الحبايب

فماتوا م الوجع 

ماستشهدوش ليكي 

مانتيش نبية ف عصرنا

ولا كنتي شيء غير انتحار الأزمنة.

وفي رجاء التي أعدها من أجمل ما كتب، يقدم لنا رجاءه أن تكون أحلامنا وطموحاتنا قدر طاقاتنا، ولا يدعو الله إلا أن يعطيهالقدرة على تحمل البلاء، وكأنه يردد: رب لا أسألك رد القضاء إنما أسألك اللطف فيه.

وفي ظلمة، وعلى كيفي، نجد انقلاب موازين الحياة، وحرب الحلم ضد الحقيقة التي لا ينتصر فيها الحالم عادة، فهو لا يحيا كما يريد ولا يختار موتته.

وفيما بين السطور نقرأ التغييب للناس،الفجوة بين حلم المريد للتغيير وبين الناس الغارقين في كل ما هو ظاهر، ووحده الحالم يقرأ المسكوت عنه في النص.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s