الشتاء في لوحة.. الثلج والقلق الوجودي عند بيتر بروغل

الشتاء في لوحة.. الثلج والقلق الوجودي عند بيتر بروغل

حنان عبد القادر

ليس الشتاء مجرد فصل من فصول السنة، بل عالم يزخر بالمشاعر والأحاسيس والحكايات التي حاول الرسامون التعبير عنها بالريشة والألوان، فكبار الرسامين في العالم احتفت أعمالهم بالشتاء وبأجوائه، وتعددت أساليبهم وطرقهم لتناول جماليات الشتاء والمشاعر المرتبطة بأجوائه، فمن لقرى والتلال التي تكسوها الثلوج، إلى مشاهد المدن تحت المطر، والناس بألبستهم الشتوية ومظلاتهم، إلى ضوء الشمس التي تطل من بين الغيوم لتلون هذا البياض بأشعتها الذهبية، فيذوب شيء منه مكونا بقعا لونية مدهشة. 

مع تعدد المدارس الفنية وتطورها تعددت سبل الفنانين في التعبير عن الطبيعة، وقد تناولنا في مقالنا الماضي «قسوة الثلوج وجمالها عند الانطباعيين» بعض لوحات الشتاء لفنانين من هذه المدرسة وكيف تميزت نظرتهم وأساليبهم وألوانهم، والانطباعات التي يتركها الثلج مع الدرجات اللونية الدافئة لنور الشمس.

في هذا المقال نسلط الضوء على أحد فناني عصر النهضة وهو الهولندي بيتر بروغل الأكبر (1525 – 1569)، وهو من الفنانين الذين اهتموا برسم مشاهد القرى والمناظر الطبيعية إضافة إلى المواضيع الدينية التي كانت سائدة في ذلك العصر.

في عام ١٥٦٤ عاشت أوروبا فصلا شتويا يعد أبرد شتاء في تاريخها حتى أُطلق عليه «عصر الجليد الصغير»، بارت فيه الأرض وتجمدت الأنهار وتدمرت المحاصيل مما أدى لتفشي المجاعات والسلب والنهب، وكانت فترة قاسية، الأمر الذي ترك أثرا بالغا وكارثيا في أوربا، وكان بيتر بروغل الأكبر من أهم الفنانين الذين شهدوا هذه الفترة عبروا عنها في لوحاتهم. 

نتناول في هذه العجالة عملين للفنان بيتر بروغل الأكبر هما لوحة «الصيادون في الثلج» ولوحة «المناظر الطبيعية مع المتزلجين ومصيدة الطيور» اللتان رسمهما في العام ١٥٦٥. وتعد الأولى من أشهر لوحاته، لأنها تعتبر بمثابة ثورة فنية في وقتها إذ خالفت السائد وهو رسم الموضوعات الدينية.

يذكر أن بيتر بروغل كان أول من رسم المناظر الطبيعية الشتوية كموضوع مستقل ومكتفي بذاته، يعالج فيه التفاعلات العميقة بين الإنسان والطبيعة، وتأثير تقلبات الأخيرة على حياة الناس، ويولي اهتماما كبيرا للتفاصيل، وللأنشطة البشرية المرتبطة بالمناخ وتغيراته. 

المتزلجون ومصيدة الطيور

في لوحة بيتر بروغل الأكبر «المناظر الطبيعية مع المتزلجين ومصيدة الطيور» نشاهد المنازل مغطاة بالثلوج، والأشجار العارية في الشتاء، وعدد كبير من سكان القرية يتزلجون على النهر المتجمد الذي صوره باللون البني الفاتح مع ضربات باللون الرمادي، وخلف المنازل تبدو المساحات المفتوحة مغطاة بالثلوج، وبعيدا في الأفق بالكاد تبدو المنازل البعيدة في القرية.

استخدم الفنان اللون الأزرق المشرق للسماء، إضافة إلى اللون الرمادي المختلط بالوردي في إشارة إلى ضوء الشمس الذي أكسب الثلج فوق المنازل وفي الأفق لمسات من هذا اللون، وهو ما أعطى اللوحة هذا الجمال والإشراق والدفء رغم برودة الطقس وتجمد مياه النهر والثلوج المتراكمة التي تكاد تغطي كل شيء.

رسمت هذه اللوحة في شتاء عام ١٥٦٥ القاسي الذي تجمدت فيه الأنهار؛ بحيث تمكن السكان من التزلج فوقها، حتى أن البعض فتح أسواقا مؤقتة عليها، وتصلبت الأشجار وتغير لونها، وكانت هذه الفترة قاسية على الناس الذين تدمرت محاصيلهم كما أسلفنا، ومات الكثير من أطفالهم، فاعتقدوا أن ما أصابهم نوع من العقاب الإلهي، لذلك لابد من استحضار هذا المناخ لفهم عناصر اللوحة وتكوينها.

للوهلة الأولى تصور اللوحة يوما عادياً من شتاء عام ١٥٦٥، لكن عبقرية بيتر بروغل الأكبر صورت ما هو أبعد من ذلك، لقد أظهر الفنان الجمال والخطر، النور والظلام، وهو مثل كافة فناني عصر النهضة – الذين كان للوحاتهم معاني أعمق مما قد يراه المرء للوهلة الأولى – تضمنت أعماله الكثير من المفاهيم الدينية، ويمكن للمشاهد المتأمل لهذه اللوحة أن يدرك المفهوم الديني الذي يرى أن على الإنسان أن يجتاز حياه مليئة بالمخاطر والإغراءات ويتجنبها للوصول إلى الخلاص، فالتزلج نوع من الوجود الزلق للإنسان، ويرمز إلى عدم اليقين في الحياة؛ فالنهر الذي يتزلج عليه الناس ما هو إلا فخ حقيقي، ففي أي لحظة قد ينكسر الجليد، والناس الذين تجمعوا يتزلجون ويمرحون على النهر المتجمد غير مدركين للخطر، يشبهون تماماً الطيور التي تجمعت على الأغصان وعلى الأرض وهي غافلة عن المصيدة المنصوبة لها، وتظهر المصيدة في يمين اللوحة وبجانبها عدد من الطيور وثمة طائر يقف عليها، والمصيدة يتم تشغيلها حين تتجمع عليها الطيور بواسطة خيط ظاهر في اللوحة يمتد إلى نافذة الكوخ.

من جانب آخر اللوحة مرسومة من منظور علوي أو من منظور الطائر، فنحن المشاهدون مرفوعون فوق كل ما يحدث، نراقب من الأعلى، نرى ما لا يراه المتزلجون المنغمسون في مرحهم.

الصيادون في الثلج

لوحة «الصيادون في الثلج» من اللوحات الشهيرة لبيتر بروغل الأكبر، تصور منظراً شتوياً لقرية تغطيها الثلوج وفيها بعض البرك المتجمدة، وفي الأفق تنهض الجبال المكسوة بالثلج بقمم حادة كأنها حراب القدر المنصوبة التي توشك أن تفتك بالقرية.

يظهر في اللوحة ثلاثة صيادين يعودون إلى القرية مع كلابهم، وتظهر آثار أقدامهم فوق الثلج.. يبدو أنهم أخفقوا في الصيد، فالرجال متثاقلون في سيرهم، وكلابهم منهكة وآذانها متدلية، وبجانبهم مبنى قرميدي وأمامه نار متوهجة باللون الأصفر الزاهي مع الأحمر المشع، في تناقض صارخ مع منظر الثلوج التي تغطي المكان وتسيطر بالأبيض والرمادي والأخضر المزرق على اللوحة.

في المقدمة أشجار عارية متيبسة، والسماء باللون الأخضر المتدرج بين الداكن المسود والفاتح المزرق، وتبدو المنازل البعيدة وكأنها أكوام من الثلوج.

جمع الفنان في هذه اللوحة صور التناقض بين حالة الجمود التي يفرضها الشتاء بقسوته وبرودته، وبين حرارة الحياة وحركتها الدائبة: الصيادون العائدون، الكلاب، طيور تقف على الأشجار وأخرى محلقة، النار المتوهجة أمام المبنى في مقدمة اللوحة والأشخاص المنهمكون حولها.. ورغم السماء الملبدة بالغيوم والجبال الحادة المكسوة بالثلج في أعلى اللوحة، إلا أن عددا من سكان القرية يتزلجون فوق البحيرات المتجمدة.. وفي يمين اللوحة نسوة يمشين فوق النهر المتجمد، وثمة شخص يسير على الجسر فوق النهر.

الأبيض والأزرق والأخضر هي الألوان السائدة في اللوحة، لا يكسرها سوى ضربات باللون البني الفاتح على المياه المتجمدة، ولمسات من اللون الوردي على الثلج، واللون القرميدي لجدران المنازل ولبعض كلاب الصيادين. واللوحة مرسومة من منظور علوي لقرية تعج بالحياة في شتاء قارس. تجمع تناقض الحياة والموت.. مقدمة اللوحة تصور تضاريس مرتفعة حيث يسير الصيادون بينما القرية منخفضة في الأسفل، وهو ما جعل الصيادين العائدين – محبطين ومتعبين – يطلون من مرتفع على القرية المليئة بالحركة والاستعدادات اللازمة للطقس البارد، وعلى الناس المتجمعين فوق البرك المتجمدة بنشاط ومرح.. إنها العودة إلى البيت في نهاية هذا اليوم القاسي، بانتظار صباح جديد ومعركة وجود جديدة.


الشتاء في لوحة.. قسوة الثلوج وجمالها عند الانطباعيين

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s