د. علي الراعي وثورة يوليو

د. علي الراعي وثورة يوليو

حمدي سليمان

اللوحة: الفنان المصري حسين بيكار

بعد عودة الدكتور علي الراعي من البعثة كانت الثورة قد عهدت للأستاذ فتحي رضوان بوزارة الارشاد القومي‏،‏ وبدوره عهد رضوان إلى يحيي حقي باستحداث مصلحة مستقلة للفنون‏،‏ يعاونه طاقم من المثقفين والمبدعين مثل نجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير وغيرهما‏، وأنضم إليهم الراعي وكانت البداية في مصلحة الفنون التي شهدت مرحلة جديدة من حياة الراعي ومن حياة المجتمع المصري والمؤسسة الثقافية الرسمية‏، حيث كان حكام يوليو يبدأون أولى خطواتهم في الحكم وفي تأسيس دولتهم‏،‏ كما كانوا يدركون دور الثقافة في صياغة المستقبل‏.‏ والحقيقة أن مصلحة الفنون لعبت دورا بالغ الأهمية‏،‏ بل ومهدت لإنشاء وزارة مستقلة مختصة بالثقافة‏، وقد‏ أسهم الراعي في انشاء أول فرقة للرقص الشعبي،‏ حيث كان الزمن هو زمن الشعب والفولكلور والبحث عن الجذور والتأصيل‏،‏ كما أسهم في انشاء عدد من الفرق الموسيقية‏،‏ بل وتولى رئاسة مؤسسة المسرح حوالي سبع سنوات، إضافة إلى عمله كأستاذا بجامعة عين شمس، وترأسه مجلة المجلة في مارس 1959 واستطاع أن يطور من أدائها، وشخصيتها من خلال اهتمامه بفنون الشعوب، بالإضافة إلى إبداعات المفكرين والأدباء، فنشرت في عهده كتابات عن فنون الشارع، والفلكلور، والتراث الشفاهي في مصر والوطن العربي والعالم، وظهرت أسماء أحمد رشدى صالح ود. عبد الحميد يونس وسعد نافع على صفحاتها يكتبون عن إبداعات الشعوب، وفنونها كما شهدت هذه الفترة إسهامات نقدية هامة للدكتور محمد مندور ورمسيس يونان وزكى نجيب محمود.. فضلاً عن إسهامات لويس عوض والدكتور طه حسين وعثمان أمين وعلى أدهم وأنور عبد الملك، كما عمل ايضا مديرا للفنون المسرحية والموسيقى بوزارة الثقافة، ورئيسا لمؤسسة المسرح والموسيقى، وعضوا فى لجان تحكيم دولية، ومشرفا على معاهد الفنون من السينما والتمثيل والمسرح والكونسيرفتوار والباليه بأكاديمية الفنون، وأستاذا للنقد المسرحى، وكان للراعى دور القيادة الفكرية والتنفيذية للمؤسسة العامة للمسرح والموسيقى والفنون منذ تأسيسها عام 1960 الى أن غادرها في أواخر الستينيات، وفي عهده أضيفت إليهم دار الأوبرا والمسرح القومي والفرقة القومية للفنون الشعبية والسيرك القومى والأوركسترا السيمفوني والفرق الأستعراضية والغنائية وفرقة الباليه وفرقة الأوبرا ومسرح العرائس ومسرح الطلعية “الجيب” وأنضمت الى المؤسسة فرقة رضا للفنون الشعبية، وفرق المسرح الكوميدية والمسرح الحديث ثم أضيفت فرقة الموسيقى العربية، وأنشئت بالمؤسسة إدارة للمسرح الأقليمى قبل ضمها للأدارة العامة للثقافة الجماهيرية. ورغم هذا الأنجاز الكبير فقد نجا الكاتب والمفكر من الغرق فى الأوراق البيروقراطية، وكان يخصص من وقت مكتبه ساعتين فقط فى اليوم لمراجعة الأوراق وكتابة المذكرات والقرارات أو للاتصال ومناقشة التنفيذ حتى اذا دارت عقارب الساعة الى الحادية عشر قبل الظهر يصبح مكتبه خاليا من أى ملفات أو أوراق ويتفرغ الأستاذ للقاءات الفنية والفكرية أو لمراجعة الصحف والمجلات الثقافية والمسرحية العالمية أو للبحث والإعداد الفنى للمشاريع. ومع ذلك التنظيم الصارم لوقت العمل الوظيفي إلا أنه فاجأ الجميع بتقديم استقالته في عام 1968، التي اعتبرها الكثير قرار مفاجىء وغير مفهوم، حيث قلما يقدم عليها مثقف، خاصة وأنها كانت من جميع مناصبه الحكومية، ويبدو أن الراعي قد أدرك على نحو ما أن هناك سقفا لكل شيء‏،‏ وأن الدولة لها مصالحها وأجهزتها الساهرة على هذه المصالح‏،‏ وهو ما لمسه أثناء رئاسته لمؤسسة المسرح حيث كانت أولى صدامات الراعي مع المؤسسة‏،‏ ومعاناته من تدخلات الرقابة، خصوصا في مسرحية الفتى مهران لعبد الرحمن الشرقاوي‏‏، وقد كانت الاستقالة نقطة الانطلاق للعودة إلى عمله الفكري والتفرغ للكتابة والبحث الأدبي، الذي كان قد أجله بعد صدور كتابيه مسرح برناردشو ودراسات في الرواية المصرية، وقد أنجز خلال رحلته أكثر من خمسين كتابا في الأدب والثقافة، وكانت كل كلمة من كلماته داخل كتبه تشع بالمحبة السخية للناس، والإيمان بقدراتهم، والانحياز إلى همومهم وآمالهم. فمحبة الناس كانت جزءا أصيلا وعميقا من موهبة الراعي، وركيزة ينطلق منها إلى كل عمل أدبي، فقد كان رحمة الله عليه يمتلك عقل غزير الإنتاج ومعمل أفكار ثري ومدهش، وقلب يسع العالم بأسره.


د. علي الراعي.. مثال المثقف الحقيقي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s