ذيل ورأس وحبل

ذيل ورأس وحبل

أيمن جبر 

اللوحة: الفنان الإنجليزي كونروي مادوكس


في مَشْهد كوميدي -ولا يَصْلح إلا كذلك- تسير بعض الحيوانات في دائرة وكل ذيل مربوط إلى رأس الحيوان الذي خلفه، يتعثر أحد الحيوانات فيرتطم بالذي وراءه ويجذب الذي أمامه، فيتعارك الجميع ويسود الهرج.
كل حيوان يَظن أن مُشكلته في الذي أمامه والذي خَلْفه وأنهما يُعيقانه عن الانطلاق للأمام ويَجْذبانه للخلف.. كل الحيوانات مُنشغلة ببعضها ولا تَنْتبه للحبل ولا لمن رَبَطها جميعا بحبال في دائرة.
هذا في عالم الحيوان معقول ومفهوم، ومفهوم أيضا عجز الحيوان عن فهم اللعبة.. أما نحن بني آدم؛ فكل اتجاه فكري وطائفي عندنا يرى أن الآخر هو العائق أمامه وهو سَبب تَخلف الركب.
المعارك حامية بين الجميع منذ عُقود طويلة ولم يَلتفت أحد إلى أن هنالك عامِل مشترك غائب ولا بد أن ينالوه أولا ثم بعدها يُفكرون في اتجاهات الانطلاق ووسائلها ومَراحلها
.. العامل المشترك والذي كان غيابه سببا لما هم فيه هو “الحرية”؛ الحرية الدينية والفكرية والنفسية والاجتماعية والأسرية والتعليمية.. لا بد من الحرية للجميع، فالحرية المفقودة مثل هذا الحبل الذي يربط كل رأس بذيل.
تستمع لمحاضرات وأفكار العلمانيين والليبراليين والماركسيين، تجدهم لا يتكلمون إلا عن المسلمين الرجعيين الذين هم سبب كل بَلية وتَخلف ومصدر كل شر.. يدور
 كل كلام الإسلاميين عن الاتجاهات الفكرية التي تتآمر على الإسلام ويرفضونها كليةً.
هل سمعت أيا من كل تلك الاتجاهات المتشاحنة يتكلم عن الحرية كأولوية وأن غيابها هو المرض؟.. حتى الليبراليين أنفسهم 
الذين دينهم الحرية تاه وضاع هذا المصطلح من قاموسهم، بل ويتحولون إلى ديكتاتوريين حين يبرز نجم الإسلاميين.

الكل يخشى إن دخل سباق الحرية أن يكون نتاج الحرية سبق الطرف الآخر له، ولهذا يجذبه من القيد المشترك بينهما وهو قيد معنوي من الكره والضغينة والتحامل فيبقيه معه في المؤخرة، والكل مربوط والكل يتلاوم والكل يتناطح.

لو بحث الجميع عن المشتركات لأدركوا الضرورة الحتمية للحرية، فهي التي تقطع الحبل المقيد للجميع، وهي المناخ الذي لا يستطيع أي منهم أن ينطلق إلا من خلاله.
لو قطع الحبل لاستطاعت الحيوانات الخروج عن مسار الدائرة ولأدركت أن الدنيا فسيحة وتتسع للجميع.. ولو نال الناس الحرية؛ لأدركوا اتساع الدنيا وأنها تتسع كل الناس وكل الأفكار، وأن السعادة متاحة للجميع كما الماء والهواء.
الحرية تُخرجهم من وهم الضيق والنُدرة وامتلاك الحقيقة المطلقة، وتخرجهم من مناخ حظيرة الطائفية إلى مناخ: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”.. “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”.. الكل يتكلم عن المربوط في ذيله ورأسه ولا أحد يتكلم عن الحبل ولا من ربطنا في الحبل. ونحن بني آدم منحنا الله أرقى العقول والأرواح، فما عذرنا؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s