علي الراعي والإبداع الشعبى

علي الراعي والإبداع الشعبى

د. حمدي سليمان

اللوحة: الفنان الهولندي فان خوخ

محبته الفياضة وجهده الكبير المتميز هو ما جعل كثير من النقاد والمبدعين يعدون الدكتور علي الراعي أول ناقد ثقافي عربى، بالمعنى الشائع فى الدراسات الغربية، حيث لا يقل إنجازه فى المجال عن إنجاز كتاب ونقاد عالميين كبار، كما أنه من الصعب أن تجد من بين مجايليه – وكان أغلبهم من النقاذ الأفذاذ – ناقد واحد اعتنى بالتأريخ للفضاءات الثقافية سواء كانت مسارح أو صالات أو أحياء، وأن تجد من أعطى لمحمود شكوكو ونجيب الريحانى أول تقدير علمى منصف، ولم ينازعه فى أداء هذا الدور ألا يحيى حقي، وكان الراعى أيضا هو أول من قرأ رسوم فنانى الكاريكاتير الكبار أمثال حجازى وصلاح جاهين ونبيل السلمى ومحيي اللباد وبهجت عثمان قراءة واعية أنصفت دور هذا الفن، ولهذا كله عاش الراعى ومات وهو صاحب أياد بيضاء على الجميع، ولم يكن “الراعي” مجرد اسم بل مهمة أساسها الاحتضان والرعاية النبيلة. 

والحقيقة أن النقد العربي لم يعرف واحداً من أبناء الجيل الأوسط في هذا القرن قد انقدحت في أعماقه شرارة العروبة، ورآها مستقبلاً واعداً قريباً مثلما حدث لعلي الراعي، فقد كان رفاقه من كبار النقاد مشغولين بهمومهم المنهجية والأيديولوجية المحدودة، أما هو فقد كان مشغولا بتوحيد الصف العربي، حيث كان يؤمن بافكار القومية العربية وضرورة وجودها وتوحدها، وربما ذلك ما جعله يكتب في إهداء موسوعته النوعية عن المسرح في الوطن العربي، يقول: “إلى الوطن العربي الكبير، إنهم يرونه بعيداً وأراه قريباً”، فقط نريد مجالا يتيح للروابط التاريخية والثقافية أن تعبر عن وجودها وتأثيرها، وربما في ذلك تعبير صريح عن رؤيته للأدب العربي على اعتبار أنه كل لا يتجزأ، رغم الخصوصية الثقافية لكل إقليم. ولاشك أن نظرته تلك مشبعة بإيمانه بثورة يوليو – ليس من باب استرضاء سلطة – لكن دفاعا عن إنجازات حصلت عليها الفئات الشعبية في التعليم والصحة والسكن والعمل. من المحبة إلى كراهية التعصب إلى الإيمان بالثورة ثم إلى عدائه العميق للاستعمار. وقد امتد به العمر ليشهد ذروة المد القومي ويتذوق حلاوته، وليعاني في عظمة آلام انحساره وتمزيق حلمه.

***

مثلت الكتابة حياة الراعي ونافذته التي يطل منها على الفضاءات الإنسانية المختلفة، حيث تجلت رؤيته للعالم من خلال الكتابة النقدية، فهو احد أهم النقاد المسرحيين الذين قربوا “عبر مقالاته النقدية” الفنون المسرحية من الجمهور، واحتفى احتفاء ملموسا بالإبداع الشعبى وفنون الفرجة المختلفة من خيال الظل إلى احتفالات الموالد والأراجوز وغيرها، باعتبارها إبداعات معبرة عن شرائح مهمة من المصريين ترى فى هذه “الفرجة” بهجة وساعات نقاء وتطهير، وقد حاول في كتاباته الربط بين هذه الظواهر الفنية والإبداعية والممارسات الثقافية معتبرا أن هذه الأشكال الإبداعية منتجة لخطابات معرفية كثيرة ينبغى تحليلها، وبينما كان النقاد والكتاب يتباهون بثقافة العاصمة ويطالبون بنقل ثقافة القاهرة الى الأقاليم، كان الراعى يطالب بالعكس على خط مستقيم أن تغذي “ثقافة الأقاليم” أو “ثقافة الريف” العاصمة، وتساعدها على بناء صرح الثقافة فى بلادنا، ليقينه بأن فى الريف من المجد والتحضر ما هو أفضل بكثير مما فى المدن الصاخبة، وفيه أيضا من منابع الفن ما يستحق أن نفخر به، ولو أن الراعي كان يملك من الخبره بتاريخ الفنون ومن ثقافته العربية والأجنبية ما يمكنه من أقامة الحجج القوية على سلامة رؤياه لما وجد آذان صاغية تقبل ما يدعو إليه، ولما وجد المسرح المصرى المعاصر تجارب تطبيقية تحقق بعض أشكاله الأصيلة التى طرحها علي الراعي فى دراسته عن تراثنا الشعبى، أيمانا منه بأن الاهتمام يبدأ من الأهتمام بالنفس، وتتمثل هذه الأشكال التراثية عند علي الراعي فى المقامة والرواية وخيال الظل والعرائس والبابات إلى قصص الهزل والنوادر والمضاحك فى بلاط خلفاء الدولة العباسية، إلى الملاهى الشعبية والسامر وغيره من التجليات المسرحية وفنون الفرجة التى بسطها علي الراعي فى كتاباته، وعمل على أحياءها حين تولى رئاسة مؤسسة المسرح حتى يكون المسرح غذاء من لا يقرأون، ومن يريد أن يتاكد من غزارة علم علي الراعي عليه أن يراجع أنتاجه النقدى وسيلمس بيده فيض معارفه التى تدل عليها مآخذه على ثقافة كتاب المسرح وأتهامه لهم بقلة المعرفة بتراثنا الكوميدى عبر مئات السنين، فهو دائما ما كان يقول أن لا شيء يبرر انعزال الكتاب عن كوميديا الشعب – ومن ثم عن الشعب نفسه – سوى عدم معرفتهم بالتراث الكبير الذي تجمع للشعب في هذا المجال الفتان، ومن ثم أخذ الراعي على عاتقه هذه المهمة الثقيلة – مهمة أن يصل ما بين الكتاب المثقفين وبين تراث الناس في المسرح – بأمل أن يتبينوا أنه لا مستقبل حقيقي لكوميدياتهم ما لم تتصل أسبابها بفن الكوميديا الشعبية؛ نأخذ منه وتصحح فيه وتعلم وتتعلم. 

رأي واحد على “علي الراعي والإبداع الشعبى

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s